المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

روشتة تطوير للدعاة

تم النشر: تم التحديث:

إن سعي العباد في الدنيا يهدف إلى الراحة المادية والحياتية والعاطفية وكل ما يتعلق بالراحة في جميع المناحي الدنيوية.

ولا شك في أن الداعية يشغله أيضاً الراحة بهذا المفهوم الشمولي، غير أنه متميز؛ لأنه صاحب رسالة يسعى لإيصالها للناس، والعمل على تنوير عقولهم وتنقية قلوبهم والسمو بأرواحهم، بخطاب بليغ نافع يافع يزلزل القلوب خشيةً لله، ويثبّت العقول مخافةً وفهماً، ويربط الأرواح بمحراب الله، لتكون النتيجة في نهاية المطاف راحةً في الدنيا نتيجة العلاقة الربانية بالله
وسعادة يوم القيامة بدوام الرضا الإلهي على العباد.

كل هذه الأمور تدفعنا للحديث عن مقومات الداعية الناجح؛ ومنها:

أولاً: "توافق القول بالفعل"

لا بد أن يوافق قوله فعله، وهذه النقطة خطيرة؛ لأننا في دنيا الناس تجد العفن والتجمل والطلاء الذهبي الجميل ذا البريق الذي يخطف العيون، فلو ظل هكذا بلا صدق مع الله وحسْن سريرة وخالف قوله فعله، فهو -بلا شك- دخل في دائرة النفاق القلبي الذى يفضح صاحبه حتماً وإن طال تجمُّله.

ثانياً: "العلم والاطلاع"

فلا قيمة لعالِم يتصدر للناس ويخاطبهم دون علم وبصيرة.
والمقصود بالعلم هو علم الشرع والفقه والشريعة، وإلا فعليه أن يتراجع ولا يتصدر للفتوى أو هداية الناس والأخذ بأيديهم؛ لأنه لو نصح وذكّر ووعّى دون فهم وعلم وبصيرة، فإنه يضل الناس بغير علم، فيكون دون شعور على باب من أبواب الصدّ عن سبيل الله، وتلك طامة كبيرة خبيثة الأثر.

ثالثاً: "التواضع"

لا شك في أن مَن تواضع لله رفعه وأعزَّه، والداعية أشد الناس حاجة للتواضع؛ حتى يرتقى برسالته الدعوية بين العباد، فيرضى الله عنه، ويرضى عنه الناس. والتواضع نقيض الكبر، والحديث واضح: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

وأهمية التواضع للداعية أن يعلي من فكره ونظرة الناس له؛ ومن ثم يمتدحون خُلقه ورسالته، لكن الحذر أن يتواضع الداعية بين الناس ويتكبر على ربه في خلواته، فلا يتذلل له وينكسر أمامه.

وهذا قمة النجاة لو فطن الداعية إلى ذلك، فعلى كل داعية أن يعي أن النجاة في التذلل لله والانكسار بين يديه؛ فهو الباب الوحيد الذي لا يُغلَق.

رابعاً: "التميز الإيماني الشديد"

إن كلمة "داعية" ليست من السهولة أو البساطة أن يوصف بها شخص مهما كان رقيّ فكره وفهمه؛ فالأصل أن يكون صادقاً مع نفسه أولاً، ثم مع ربه العلي الخبير المطّلع على السرائر والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

لذلك، فليس مقبولاً أن يكون الداعي كغيره من العباد بسيطاً في عبادته يتأرجح أحياناً كثيرة، والغالب ضعيف الثقة والعلاقة والصلة بربه، فتلك في حد ذاتها عوامل انفضاض الناس عنه.

خامساً: "رجاحة الفهم والعقل"

إن الداعية الناجح هو قِبلة للعباد فيحلُّ لهم مشكلاتهم، ويحكم بينهم في المواريث، وينير عقولهم بالوعي والمنطق، ويزن الأمور بميزان الشرع والفهم، ثم يعرض نفسه على محراب ربه؛ ليستزيد منه نوراً وثباتاً على مساره.

ولما كانت الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى الناس بها، فالحكمة لن تتأتى للداعية إلا بفهمه لمجريات الحياة وإلمامه بعلوم الكون وقدرته على معرفة ماذا يدور في عقول الناس.

سادساً: "الجرأة في قول الحق"

ولعل هذه النقطة من النقاط شديدة الندرة في هذا الزمان إلا من رحم ربي، فنحن في زمن كثُرت فيه الشهوات، وتجبَّر الطغاة والظالمون وحولوا الحق باطلاً والباطل حقاً، ومع الأسف معهم زمرة من علماء السلاطين الذين سلط الله عليهم أنفسهم فزينوا للظالمين سوء أعمالهم ومحاربتهم لدين الله؛ بل رخصوا دماء العباد وخراب البلاد، وتمادى بعضهم فجعل الطاغية نبياً ورسولاً.

لذلك، فالداعية الذي يستمد من النبي منهجاً وطريقاً، عليه أن يصدع بالحق وينكر المنكر بالوسائل المتاحة كافة، ولا يخشى في الله لومة لائم، وتاريخنا الإسلامي الحديث مليء بالقامات التي زلزلت عروش الطواغيت بصمودها وقوة قولهم للحق وإنكارهم إجرام الطغاة.

سابعاً: "الزاد الثقافي"

يجب على الداعية ألا يتصومع في صومعة العلم الشرعي فقط؛ بل عليه أن يواكب العصر ويجاريه، ويكون نبراساً في كل علم جديد، كما هو قِبلة في الفتوى يكون كذلك في كل تطور بحثي أو تكنولوجي؛ بل ويسبق الزمان في الوصول لكل ما هو جديد، فالعالم اليوم أصبح قرية صغيرة؛ فما يحدث في أقصاه يعرفه الجميع في أقل من دقيقة.

ختاماً:

الداعية صاحب رسالة، عليه أن يسعى في تحصيل كل ما يرقى منه خلقاً وفهماً وعملاً ونجاةً في الدنيا والآخرة، وأن يتلاشى كل ما يعطله، وأن يكون صادقاً مع نفسه وربه وحسَن السريرة؛ حتى ينتشر فهمه وعلمه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.