المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

الحركة الإسلامية بين انقلابَين

تم النشر: تم التحديث:

يأتي شهر يوليو/تموز من كل عام مذكراً المصريين عموماً، وأبناء الحركة الإسلامية خصوصاً بذكرى انقلابَي يوليو 52 ويوليو 2013.

بداية لا شك أن كلا الانقلابين كان وبالاً ودماراً على المصريين بشكل أو بآخر، كما كان ذا قسوة شديدة وآثاراً أشد جرماً وفساداً وإفساداً.

ولما كان الإنصاف هو رأس مال الكاتب فإنني سأسعى في هذه المقالة إلى أن أتحرى الإنصاف انطلاقاً من فهمي للأحداث، وفي الإطار الطبيعي.

انقلاب يوليو/تموز

قناعتي الأولى أنه تم لوأد انطلاقة شعبية كانت قاربت على البدء، وهذا ما اتضح بعد ذلك؛ لذلك تم التعجيل بالانقلاب؛ لأن الحركة المنتظرة أو الثورة التي كانت علاماتها في الظهور ذات صبغة إسلامية واضحة المعالم، فتم القضاء على فرصة الثورة قبل أن تتوج، وابتلع العسكر الفكرة وحدث الانقلاب.

الإخوان وانقلاب عبد الناصر
لقد دعم الإخوان الانقلاب بالشكل الذي رأوا فيه نجاة للبلاد، وكانوا وبحق صادقين في دعمهم، آملين أن تستوي الأمور ويوفي رجال الانقلاب بما تم الاتفاق عليه مسبقاً مع قيادة الإخوان، خصوصاً أن الكثير من رجال انقلاب 52 تربوا وبايعوا المؤسس حسن البنا، وهذا معروف للجميع، ولا مجال لإنكاره، لكن العقلية الانقلابية لها مقاييس ومعايير أخرى في التعامل، خصوصاً إذا تملكوا.

لكن الأمور بين الانقلاب والحركة الإسلامية لم تسِر بالشكل المتوقع، خصوصاً مع الدعم الكبير الذي قدمته للانقلاب.

بشكل واضح كان عبد الناصر بارعاً في الخبث والدهاء والتآمر على الحركة الإسلامية حتى أثخن فيهم العذاب والاعتقال والقتل، وتحول عهده لمقتلة كبرى لا تبقي ولا تذر، واستعان في ذلك بالكثير من مجرمي الفكر الذين كانوا وما زالوا يكيدون للحركة الإسلامية، تحت مزاعم واهية، مصدرها الفجور في الخصومة.

وبشكل أشد وضوحا لقد أخطأ الإخوان في دعم الانقلاب والميل إليه؛ لذلك فالحصاد كان أليماً على الأجيال حتى هذه اللحظة، وأخطأت قيادتهم
يوم أن استمعت لعبد الناصر في وشايته ضد السندي ونظامه، ثم استمع السندي لوشاية عبد الناصر ضد الأستاذ الهضيبي، ثم أطاح بالجميع وكان ما كان.

انقلاب السيسي

قناعتي الأولى أنه وبرغم كل شيء فهو أفضل حالاً من انقلاب الخمسينات؛ لسبب رئيسي هو أن الفرصة تحولت لثورة، ونجحت في إفراز استحقاقات، فلدينا رئيس ووزير ومحافظ وتلك دولة، وبغض النظر عن التجربة، لكن الأمور تقاس بالديمقراطيات.
والانقلابات هي دوماً باب شر وخراب، وليس لها مبرر، مهما كانت لها حضانة من الجهل وتزييف الوعي.

إن انقلاب 2013 نجح في تزييف العقول والوعي عند الشعب بالشكل الكبير، وكما بحّ صوت الرافضين له بأن هذا المسار يعطل ويؤخر البلاد ويستبيح دماء العباد، فالعسكر لن يفرق بين إسلامي وليبرالي وعلماني إذا ما تملك، فهذا ديدنهم، وإن أعطوكم من طرفي اللسان حلاوة.

إن الحركة الإسلامية لم تعِ درس الماضي بالشكل الطبيعي، وبشكل أشد صراحة أقول: إن المسار كان غير موفق، وإن قيادة الحركة الإسلامية في هذه الفترة لم تكن موفقة في اتخاذ القرارات، بل سأذهب لأبعد من ذلك بأنه كان ممكناً اتقاء حدوث انقلاب من الأصل، لو كنا نمتلك من الفطنة الإدارية والكياسة السياسية أكثر من ذلك، وهذه قناعتي بأن إدارة الدول تختلف عن إدارة الشعب والمناطق في العمل الإسلامي.

إن الاعتراف بالأخطاء من شيم الكبار طالما هذا دافع للعمل والبناء والتطوير والتحديث والتغيير، ومن ذاق المر في الماضي يقيناً غير مقبول أن يألفه في الحاضر.

ختاماً إن المخدرات الفكرية أطالت مدة الانقلاب في الماضي والحاضر، فمن أشاعوا وتحدثوا أن محن الستينيات كانت نصراً وثباتاً، وأن المشانق التي علقت كانت فخراً للمسار، وأن الدماء ترجمة لحالة الإخلاص هي نفس العقلية التي قالت إبان التجربة إن السيسي في "جيب الرئيس"، وإنه المخلص للفكرة، ونحن تقبلنا بكل سذاجة "على فكرة أنا أعي كل حرف مما كتبته"، وهي أيضاً نفس المخدرات التي أطالت مدة البقاء بغياب الرؤى والطرح والاستمرار على مسار الرتابة والتعطيل.

إن الأجيال التي أمنت المحاسبة والعقاب في الماضي وحرمت الأجيال المتعاقبة من أبناء الحركة الإسلامية من معرفة التفاصيل والحقائق هي ذات العقلية التي أوصلت أفرادها لمحارق وفشل ذريع واستكانة وتجريف كامل للفكرة، وأيضاً بلا حساب أو حتى الاكتفاء بما أفسدوه وجرفوه، بل بإصرار شديد على البقاء، وكأنهم الجماعة فقط وما دونهم لا قيمة لهم.

لكن قناعتي الثابتة أن محن الماضي ليست نصراً، وأن محارق الحاضر ليست فهماً ولا ثباتاً في المحنة، فالنفس البشرية غالية، وصيانتها مقدم على إزهاقها.. فيا ليت قومي يعلمون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.