المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

الإسلاميون وحصاد المسار

تم النشر: تم التحديث:

لا شك في أن الحركة الإسلامية هي المظلة التي يشرف المرء بالانطواء تحت ظلها ناصحاً ومذكراً وعاشقاً، ورغم المعاناة والصدود أحياناً، والتجهيل مرات ومرات والاتهام بحظ النفس، فإنه لا مجال ولا مقام لليأس أو الصمت.

فالسعي لاستنارة العقول وتزكية النفوس والرغبة في التغيير إلى واقع أفضل يبني ويجمع ويوظف القدرات، وينشر ثقافة الإبداع بما يخدم على البقاء والتمدد والانتشار بالشكل الذي يخدم دين الله وتحرير الأوطان- أمر لا نقاش فيه، ومن الخطأ الوقوف عند تحليله أو هل الوقت مناسب أم لا؟!

ولا شك في أن الإسلاميين هم رمانة ميزان القوى السياسية والوطنية في كثير من البلدان، وصلاحهم رفعة لأوطانهم وخلافهم، وكثرة المعارك الوهمية معهم أو بينهم داخلياً فراغ وخسارة.. وهنا سيخسر الجميع فصيلاً قوياً عاشقاً لوطنه، فضلاً عن أن التنكيل بهم من خطايا الإجرام وقوى الاستبداد التي عطلت نهضة الأمم؛ طمعاً في حكم العباد وإخضاع الجميع لهم بدعوى باطلة نسفت تجارب ديمقراطية وليدة في بعض البلدان.

ولما كانت الحكمة ضالة المؤمن، فنشر الحكمة من حسن الفهم، ونقد الذات سعياً لتغيير الوضع من حسن السريرة ومن علامات الصدق والتجرد، طالما المقصد حسن والتوجه محمود.

ولا يخفى على أحد ما يعانيه الإسلاميون اليوم من حرب ضروس من البعض، وخلافات شديدة بينهم في عدة دول كمصر والأردن والجزائر، ثم مؤخراً تم الالتحام من جديد في الجزائر، وهذا يُحسَب لهم ولقياداتهم هناك.

لقد ظلم الإسلاميون أنفسهم مرات عديدة وظلموا شبابهم وأفرادهم كثيراً في بعض المناطق، وهذا ليس بتجنٍّ بقدر ما هو مراجعات نحو البناء، فليس من الفطنة حتى تكون نشيطاً أن تغض الطرف عن أمور قد تراها عابرة وتلبسها لباس القدسية والشورية والمؤسسية الظاهرة فقط.

لقد ظلموا أنفسهم كثيراً وفي مواطن عدة فتحملوا مشاقاً وسلكوا طرقاً كلها مصاعب وتضحيات جسيمة، وكانوا صادقين في نصحهم وحرصهم، لكن غياب الذكاء السياسي -مع الأسف- أنزلهم منازل البلاء.

ولا مجال للطعن في النية الصادقة، لكن النيات وحدها لا تكفي.

وظلم بعض الإسلاميين أنفسهم أيضاً مرات أخرى في تقديم أهل الثقة على أصحاب الكفاءة والمهنية وتحولت "التزكية" من القادة أو الكبار إلى صك للثبات والعمل، وهذا أيضاً من عوار الفهم ومن ظلم النفس.

إذ إن الطبيعي أننا كحركة إسلامية نُعلي من قيم الاجتهاد والبناء العقلي والحضاري وفق طاقة المرء وهمته وفهمه وطروحاته ومدى تفكيره.

ثم هل هذا متطابق مع المسار والمسير أم لا؟

لكن مع الأسف، البعض أمعن في الفساد والإفساد بكلمات معسولة وغايات كبرى وأسلحة عاطفية، وقناعتي أن العاطفة يجب ألا تطغى على البناء أو تكون من عوامل الثقة؛ لأنها تعطل وتؤخر ولا تحاسب المقصر ولا يكون هناك مسار نبني عليه تطويراً وتغييراً.

وظلم بعض الإسلاميين شبابهم؛ فلا مكان لكل من يفكر أو يعارض، وبمنتهى الوضوح لقد أصبحت الحركة الإسلامية في بعض فروعها طاردة للابتكار والإبداع والتفكير، وحوّلت المحنة بعض القيادات إلى "مدير شركة" يأمر بصرف حوافز لمن يوافقه أو الفصل التعسفي لمن يخالفه، والدلائل كثيرة.

وهذا الكلام من مدعاة الحزن، لكن لا بد من المراجعات وتقييم الماضي؛ فهو الطريق إلى البناء الجديد والتأسيس الذي نتمناه وننشده لفكرتنا ودعوتنا وحياتنا.

وظلم بعض الإسلاميين أنفسهم بكثرة #الشقاق بينهم، وتعدد المنابر والهجوم المتبادل والطعن والتخوين.

فالبعض ما زال يضرب بعرض الحائط كل دعوات لمّ الشمل، ومبادرات وأد الخلافات، والعودة للمؤسسية، ويظن أن ما دونه شرذمة قليلون لا قيمة لهم.

لكن رغم هول كل هذه الأمور، يبقى الرهان على السعي للتغيير والاستمرار في الرغبة البناءة في وعي الأفراد، فالوعي هو طوق النجاة، والفهم الكامل للفكرة وحسن تطبيقها والأخذ بيدي البعض ونصح الآخر، والتذكير الثالث بماهية الرسالة والفكرة والرغبة الملحّة في تكوين قيادات تتماشى مع الواقع الذي أوصلتنا إليه إدارة لم تعِ تجارب التاريخ وتظن أن النصر هو الثبات في المعتقلات فقط.

وإن كان هذا الأمر من عوامل الصدق وحسن التجرد لهذه الراية والغاية النبيلة، فإن الأفضل أن يحفظ المرء نفسه مبدعاً وناشراً ونشيطاً في إرساء قيم العبودية لله واتباع النبي بمنهجه الكامل. لا ما يخدم القعود وأسلحة التعطل والعطب العاطفي الذليل.

إن التضحيات كبيرة، وهي تستلزم عملاً أكبر وفهماً عملاقاً يغير ويفرض واقعاً ينجح في إصلاح الأمر ويكون من عوامل التجمع والبناء وإدراك اللحظات الفارقة في تاريخ الدعوات والأفكار.

وما زال في الوقت متسع، فالحركة الإسلامية لديها الآلاف من المبدعين والمفكرين، لكن أيديهم مغلولة وعقولهم مقيدة بدعاوى تنظيمية عقيمة في بعض المناطق.

ختاماً: لا مجال لعقل مفكر يقدم رؤىً عقيمة بدعوى الحفاظ على الكيان، فليس هناك ثوابت سوى القرآن الكريم والسُّنة النبوية.

ومن ارتضى السير فعليه أن يتحمل المسير، ويسعى في استنهاض همم الجميع، ولا يقبل أن يعطله أحد.

وعلى كل صاحب عقل أن يقرأ ما مضى ويأخذ التجارب والعٍبر ويبنى عليها، فلا تقديس لرموز غائبة، ولا انقياد دون بصيرة خوفاً من الهدم، فالحرص والفهم هما ضمانة البناء لا الانفراد والتخبط.

ولدى الحركة الإسلامية طاقات جبارة، حقيق أن توظف في اتجاه سليم، لكن الأهم أن نعي هذه الدروس ونعلي من قيم العمل والعدل والحرية، وتفعيل مبدأ المحاسبة والتقييم والمراجعات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.