المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

"المفكر".. أزمة داخل الحركة الإسلامية

تم النشر: تم التحديث:

يقول الإمام البنا (رحمه الله): "ولا بأس أن يتقدم إلينا مَن وصلته هذه الدعوة، ومن سمع وقرأ هذا البيان، برأيه في غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا، فنأخذ الصالح من رأيه وننزل على الحق من مشورته؛ فإن الدين النصيحة".

ولما كانت الحركة الإسلامية ملء السمع والبصر، فإن العمل على إصلاحها وسد الثغرات
والسعي لعلاج كل داء بدواء النصح والعمل والواقعية أمر لا بد منه، خصوصاً إذا كان
العشق لها الطريق، والفخر به يمثل مظلة النصح والعمل معاً.

وأنا في هذه السلسلة سأتحدث عن بعض العلل داخل هذا البناء الكبير، وسأصف له الدواء بكل أريحية، وسعياً في تغيير واقع أصابه اليأس والرتابة.

الداء الأول: "غياب التخصص"
وهو تعريف يوحي بعدم الاهتمام به كباب من أبواب التخصص والإلمام الكامل بالأمر،
وهو داء شديد الأثر وبابُ خللٍ عميقٍ له نتائج سلبية على الفكرة والحركة معاً.

وبمنتهى الوضوح أقول: إن الحركة الإسلامية تعاني نقصاً وندرة في المفكرين بشكل كبير؛
بل تعاني غياب أجيال تبعث على التفكير وقيادات تتبنى هذا المسار من الأصل؛ ولذلك تجد
أن الحركات الإسلامية إذا أردت شيئاً خاصاً بالجانب البحثي والفكري يكون لمفكرين من خارج الإطار التنظيمي أو بعض أصحاب الأقلام من الدائرة الفكرية للحركات الإسلامية.

وقناعتي أن الخطورة من هذا الداء أنه يسلخ المرء من فكرته دون شعور؛ فلا توجيه محدداً
ولا إبداع ولا تجدُّد، ولا أجيال مفكرة وأقلام مثمرة تستطيع أن تستوعب وتصحح مسار أفكار وتردّ شبهات وتقوى حجج وبراهين وتؤسس لتنوير وتطوير عبر مؤسسات متخصصة للبحث والفكر المستقبلى، تعصم البناء من التآكل والاندثار.

ويكفى أن النتيجة الكبرى لغياب التخصص هو عدم بلورة رؤية مستقبلية تحذر من مسار الانزلاق في انقلاب دموي "النموذج المصري مثالاً".
العلاج:
بداية، إن وصف الدواء يجب أن يكون مبعثه خطورة الداء وأهمية الجسد وحتمية زوال كل الآثار الخبيثة لوجود هذا الداء.

لذلك، فإن أبجديات أي علاج يجب أن تكون من الواقع الذي تحياه الحركة الإسلامية، وهو وضع لا يخفى على الكثير من المتابعين، فالمشكلات كثيرة متناثرة، وكل بلد به أوضاع صعبة
إلا من رحم ربي، لكن في المجمل هناك حالة تربُّص وكيد عالمي يحيط بالحركة الإسلامية
وفي القلب منها حركة حماس، التي ربما هي أكثر الحركات الإسلامية فهماً لحقيقة الصراع
وبراعة في توظيف واستغلال التخصص بمفهمومه الواسع وتطويره بشكل كبير.

لذلك، فالدواء يكون متعدد الاتجاهات والجوانب، سواء كان تربوياً أو تنموياً، أو إعلامياً وأكاديمياً.

الدواء من الجانب التربوي:
أولاً: الاهتمام بالعقيدة كمبعث هام في تكوين الفرد المسلم صاحب الرسالة، التي من أهدافها الأولى تعبيد الناس لرب العالمين.

ثانياً: تكوين طليعة فكرية ملمّة بأهداف فكرتها وقادرة على توصيل رسالتها للناس ببراعة، الفئة القادرة على توصيل رقي وجوهر وروح الفكرة الصحيحة.

ثالثاً: تكوين جيل يعلم تاريخ أمته وانتصاراتها، ويسعى لعودة أمجادها بفهمه لدينه الحنيف.

الدواء من الجانب التنموي:
وهذا الجانب من أهم المسارات التي يرتجى منها الخير؛ لأن المؤمن مطالَب بتطوير قدراته.

أولاً: يجب على الحركة الإسلامية السعي لتطوير طاقات أفرادها والارتقاء بها، والتوجيه بذلك وجعله من أهم الأولويات لهذه المرحلة وكل المراحل، وذلك عن طريق محترفين وعلماء متخصصين في هذا المجال، فالكادر البشري أزمة شديدة داخل البناء الإسلامي

ثانياً: يجب تذليل العقبات كافة "وفق المتاح"؛ لإيصال كل رسائل التطوير والتجديد
للعقل الإسلامي متمثلاً في شبابه وأفراده وحتى محبيه وأنصاره العاملين.

ثالثاً: العمل على تقييم كل خطوة بحساب الفهم والعقل واختبار القدرات واستنفار الطاقات،
وهذا بمثابة معرفة مهارات الأفراد.

الدواء من الجانب الإعلامي:
أولاً: حتمية تكوين وتدريب أفراد بارعين في إنشاء رأي عام منصف ومحايد يمثل القاعدة الكبرى للدين الإسلامي في فهمه ورسالته الغراء.

ثانياً: الاعتراف بالتقصير في هذا الجانب، شريطة أن يكون اعترافاً يدفع للعمل والإبداع لا التكاسل والتراخي.

ثالثاً: الاستعانة بمنابر صادقة ومهنية في تزويد وتنوير الأفكار بكل جديد وصادق
بعيداً عن الغلو والتطرف.

بقي أن أذكر أن المعوق الوحيد هو في أي تغيير أو تطوير؛ هو تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة والمعرفة، وهذا هو المقال القادم ضمن هذه السلسلة الجديدة "روشتة علاج"، أسأل الله أن يكون ملبياً وأن أكون من الذين يقولون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبَلون، والله المستعان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.