المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

الإسلاميون وأزمة الشفافية

تم النشر: تم التحديث:

إن من أهم أسباب الانتشار والتمدد والتعلق والولاء داخل أي تجمع بشري -مهما كانت الفكرة التي يحملها- الشفافية والوضوح، وهذه أمور تسري على الجميع بلا استثناء، والحركة الإسلامية هي حركة وتجمّع بشري ممتد في كثير من الأقطار والبلدان، له منافذ ومقارّ ولجان وعمل واضح ومعلَن.

ولما كان الأصل في العمل الإسلامي هو السعي لتحرير البلاد من كل مستعمر أجنبي، فإن هذه الغاية لها تبعات ثقيلة على الفرد والأمة معاً. لذلك -وبلا أدنى مواربة- فإن من كبرى مشكلات الحركة الإسلامية اليوم، أزمة الشفافية، سواء مع أفرادها أو متابعيها أو خصومها.

وهذا لا بأس به مع الخصوم؛ إذ ليس من الذكاء أن أعطي خصمي رؤيتي واستراتيجيتي "هذا إن وُجدت"، لكن من غير المقبول أن تظل هذه الأزمة مع الأفراد داخل التجمّع البشري الواحد، بحيث يظل مثلاً غياب القادة عن المشهد واضحاً، ولا ندري أهم أحياء أم انتقلوا إلى رحاب الله، وعندما تُطلب الشفافية والوضوح في هذا الأمر يُشهر في وجوه المطالبين سيف الثقة العاطفي، وهذا قمة السخف وغياب كامل وواضح للشفافية والوضوح.

وحتى لا يتعجل البعض ويقول إن الأمور واضحة؛ من رسالة وفهم وغاية ومسار ومسير، أقول إن الأزمة في الشفافية هي: تحوّل مصدر المعلومة والوضوح، في أفراد قليلون فقط دون إلمام الصف بطبيعة المرحلة، سواء مع الخصم أو النظام العالمي وحجم التغيرات التي تطرأ عليها على مدار الساعة.

إن الحركة الإسلامية اليوم مطالَبة، وبشكل سريع وواضح، بإعلان رؤية جامعة وواضحة وشفافة، توضح فيه موقفها من العدو الصهيوني، وهل هو عدو أم سهلٌ التعايش معه في إطار تسويات تاريخية.

وبشكل أشد وضوحاً، أقول إن الإخوان المسلمين مطالَبون بتوضيح أكثر وأكثر حول بيان القمة، وهل هو محل صدفة وتعجّل أم أمر مرتب وله ما بعده، بغض النظر عن اعتذار المتحدث الإعلامي، فالأمر ليس بالهين والبسيط.

وظني أن أي عقل فاهم يفكر، يعي أن مثل هذه الأمور لا تكون مجرد صدفة أو زلّة لسان أو أزمة كيبورد طبعاً.

إن الحركة الإسلامية اليوم في كل البلدان والأقطار مطالَبة، وقبل أي وقت مضى، بإعلان موقف واحد وشامل عن فهمها لحقيقة الصراع من البداية حتى النهاية، وهل تخلت عن أدبياتها وشعارها الذي يحمل سيفين؟!

إن هذه المطالبات ليست من قبيل الصدفة أو اللغو الفكري ولا التنطع البحثي بلا شك، لكن لأن في حدوثها القوة والمنعة، وإذا كان العالم كله يتحد ضد الفكر الإسلامي سواء كان علناً أو مواربةً، فالنتيجة واحدة والهجمة شرسة، ولن تتوقف.

لذا، فتوحيد الغايات والسبل وتعدد الوسائل بما يتناسب مع وضع كل حركة في وطنها أمر هام ويافع وله مردود شديد الإيجابية.

والحركة الإسلامية، وفى القلب منها الإخوان المسلمون، مطالَبة اليوم، وبشكل سريع وواضح، برؤية ومنهجية واضحة تجيب عن كل الاستفسارات والتساؤلات المشروعة من الحبيب والقريب، ولكنها مطالَبة أكثر وأكثر بموقف عن نعرات الخلاف والمشكلات والنزاعات والتصنيفات، فالكل خاسر والجرح ما زال ينزف.

إن الإسلامية لن تعي من دروس التاريخ العبر والعظات، والتجارب كبيرة والتضحيات أكبر وأكبر، ولا مجال للتسكين أو الصمت.

إن الإخوان المسلمين مطالَبون اليوم بتوضيح الحقائق كافة بصدقٍ وإنصافٍ لأبنائهم ومحبّيهم ومتابعيهم، بلا تردد أو تأخر؛ فعامل الوقت ليس دوماً جزءاً من العلاج، لكن حسن الفهم والعمل البنّاء هما العلاج كله.

نعم، "الإخوان" مطالَبون بالشفافية الكاملة مع أفرادهم، ووضعهم في صورة الوضع بشكل صريح، فليس من حسن القيادة أن تترك الكثير جداً من الأفراد في مواضع التيه بدعوى السرية المفرطة في الوقت الذي تتقرّب فيه الجماعة لغير أبنائها؛ بل وتلمع أفراداً كانوا ضد الفكرة الإسلامية على مدار الوقت؛ بل وحرّضوا على قتل المعتصمين في "رابعة" و"النهضة"، ومع الأسف يتم التلميع والتنجيم على القنوات التي يصرفها عليها "الإخوان"، في سقطة تضاف إلى سقطات سابقة.

إن الحركة الإسلامية عليها أن تعمل على احتضان أبنائها وتطويرهم وتأهيلهم تربوياً وفكرياً وقيادياً وبحثياً وروحياً وفق المستطاع، ويجب ألا تتوقف هذه المحاولات؛ حتى لا نصرخ بعد سنوات من غياب القيادات والمفكرين وأصحاب الرأي، فشباب الحركة الإسلامية وفتياتها أَولى بالإنفاق والتأهيل.

ختاماً..
الحركة الإسلامية اليوم في وضع حرج، ليس من فجور الخصومة فقط، لكن من غياب الوعي أو تعمّد تغييبه من البعض، وأنا أعي جيداً ما أقوله. لذلك يجب أن تتحرر العقول أولاً حتى نضمن تحرُّراً لأوطاننا بما يخدم المشروع الإسلامي الصادق الذى يحبب ويقرب ويحرر الأوطان من كل مستعمر خارجي.

لذلك، فالوعي والعمل هما الضمانة القوية لعقول راجحة وقلوب صادقة مع ربها تعمل على النهوض بأنفسها، وعلى الجميع استنفار الطاقات، وعلى القيادات توظيف الإمكانات والملكات الضخمة لأفراد الحركات الإسلامية، مع الوضوح الكامل في البناء والخطط بلا ضبابية مفرطة تحوّل الصراع إلى تيهٍ غامق تكون ضريبته كل يوم أقوى وأقوى، فهل وصلت الرسالة؟ والله المستعان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.