المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يسرا الخطيب  Headshot

خواطر سجينة سياسية (2)| حينما عشتُ مع البقِّ والفئران والقمل الأبيض

تم النشر: تم التحديث:

كنّ على قدر من الحنكة والخبث المحمود، ما يجعلهن يصنعن من مكونات السجن ما يقضي حاجتهن كاملة، دون أدنى احتياج للعالم الخارجي.

كانت هذه الصفة متوافرة فقط في نساء المعتقل ذوات الأحكام الضخمة، والأوقات العصيبة، والتجارب المريرة.. كل تلك العوامل صقلت منهن صلباً يصعب على الظروف التأثير به، ولكن الجميع يقف انتباهاً أمام اثنين: البدلة الميري، والحشرات!

البدلة الميري والحشرات متعادلان تمام العدل، حتى في إثارة الخوف والرعب في قلب العنتيل، وعضمضم أكّيل الشجر وعتاولة القتل والسرقة والتشكيل العصابي!

عندما يرين صرصوراً ينتفضن كما لو كان ثعباناً، تماماً كما يفعلن عندما يرين البدلة السابق ذكرها، فما با لكم بالفئران والعِرس؟

اعتدت في الأقسام والسجون المركزية الصغيرة أن نستقبل إيراداً جديداً "سجينة احتياطيّة جديدة"، وكن في معظم الوقت قد قضين من الأسابيع ما ليس بقليل في الأقسام التي تمتاز بالمعاملة غير الآدمية، والقذارة اللامتناهية، وفقر في موارد النظافة عامةً.

في أغلب الأحيان، كن يمتلئن بالقمل، والقمل الأبيض الذي يقطن في الأماكن التي تحوي شعراً غير الرأس.

كانت آفة القمل مرعبة لبعضنا، أتذكر جيداً أننا قد أصابتنا العدوى فبكينا، لست أدري لمَ ولكني أجزم أن بداية الاعتقال كانت لنا من السذاجة النصيب الأكبر، ولم نكن ندرك الألوان القاتمة التي ستملأ فضاءاتنا ليل نهار فيما بعد.

في المعتقل قمل ينقل المرض وينتشر بسرعة تفوق التوقع.

استيقظت يوماً، معتقدةً أن إحداهن تداعبني في رقبتي لأجده صرصوراً بطول إبهامي كاد يقتحم فمي، بعد أن كان عمري وقتها 24 عاماً، عدت طفلةً في الخامسة لساعة متواصلة!

الصراصير أصحاب المكان، هم السكان الأصليون ونحن الدخلاء، كانت هذه العبارات الأشهر تداولاً في السجون الثلاثة التي سكنت فيها فترة لا بأس بها.. وكانت التصنيفات كالآتي: الأبيض تحقيق، البني محكوم، القمل سمسم! كعادة الشعب المصري يصنع من قمة المأساة أحجية ونكتة!

الذباب ينقل المرض ويحمل في أرجله وتحت أجنحته ما يعادل وزن طفل من الميكروبات الصغيرة الناقلة للأمراض أينما حط ورحل، وبالأخص في المجتمعات التي تفتقر للنظافة وتحوي من الكثافة السكانية ما يجعل المتنفّس في الغرفة عرضةً لنقل المرض أكثر من القمل والذباب.

في البق والفئران حكايات لا تنتهي سأحكي عنها فيما بعد، لكنني لن أنسى، باعوضة الرمل ليست ببعيد، والليشمانيا فتكت بابن الخطيب، فلا تَدَعوا البقية عرضةً ليكونوا خطيباً آخر.. وانتفضوا لهم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.