المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف الشاعل Headshot

جغرافيا العراق المزمنة!

تم النشر: تم التحديث:

تساءل الكثيرون عن سبب السقوط السريع لمدينة الموصل صيف 2014، وتتابُع سقوط المكوّن الجغرافي السني في العراق عامة، حتى بدا ذلك المكون وكأنه انسلخ عن بقية العراق.

لقد انفصل ذلك المكون عن بقية العراق؛ لأنه لا يرتبط مع المكونين الآخرين -الشيعي والكردي- بروابط عميقة، كما انفصل المكون الكردي لذات السبب، ولو أردنا التشبيه لقلنا إن العراق عبارة عن ثلاث قطع متجاورة، إلا أنها ليست مترابطة ببعضها، بل مركونة بشكل متجاور، فكل قطعة عبارة عن جغرافيا مختلفة عن الأخرى، ويقول "كريم العاني" في كتابه "الحدود العراقية الكويتية" (الوراق للنشر، 2013) " يتكون سطح العراق من المنطقة الجبلية وتشكل الخط السياسي للحدود مع تركيا وسوريا وإيران، والهضبة الصحراوية الغربية وتعتبر جزءاً من بادية الشام، التي تمتد على طول الجانب الأيمن لنهر الفرات وحدود العراق متصلة فيها مع سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، ومنطقة الجزيرة وتكوّن القسم الشمالي الغربي من العراق، والسهل الرسوبي ويمتد على شكل مستطيل، طوله حوالي 565 كم وعرضه حوالي 130 كم، ويمتد شمالاً من "هيت" على نهر الفرات و"تكريت" على نهر دجلة، وينحدر نحو الجنوب إلى مصب شط العرب"، فنحن أمام ثلاث كتل جغرافية مختلفة عن بعضها، بل قد تكون منسجمة جغرافياً مع أراضٍ مجاورة خارج الحدود، فجبال الكرد لا تنتهي عند حدود العراق الحالية، ولا السهل الغربي ومنطقة الجزيرة تقفان عند الحدود مع سوريا، كما أن طبيعة الجنوب العراقي متداخلة مع محافظة خوزستان في إيران، فكل تلك الأقاليم الثلاثة ممتدة للجوار، ويقول الصحفي العربي "عبدالحليم قنديل" في لقاء تلفزيوني "إن العراق دولة جغرافية ولم تصبح دولة سياسية إلا قبل مائة سنة".

وتستطيع -بسهولة- التعرف على طائفة العراقي من خلال ملابسه، فلكل طائفة ملابسها على عكس بقية البلاد المجاورة له كالسعودية وسوريا مثلاً، وحتى هناك في مصر، حيث لا يمكن تمييز الشخص طائفياً من خلال ملابسه المحلية، ويعود السبب دوماً للجغرافيا التي وزعت الملابس على الطوائف، أما مناخ العراق فهو تابع لطبيعته الجغرافية، فمناخ الشمال الكردي الجبلي هو مناخ البحر الأبيض المتوسط المعتدل صيفاً والبارد شتاء، وجنوبه صحراويٌ حار وما بينهما مناخ متنقل بين المناخين.

وما عمّق التمايز لكل مكون جغرافي هو الانتماء الطائفي الطاغي، ولم تدفع نقاط التماس بين كل مكون وآخر التي يكون فيها التركيب السكاني خليط طائفي في الربط بين المكونين، بسبب قوة الجذب الخلفية للطائفة الأم.

أيضا تساءل البعض عن سر انهيار الحدود بين غرب العراق وشرق سوريا، وبالعودة للجغرافيا مرة أخرى نلاحظ إن طبيعة الأرض واحدة ونهر الفرات هو رابط طبيعي بينهما، والمدن والقرى الحدودية متقابلة، وهناك امتداد اجتماعي بين المنطقتين، بل يصعب في أحيان معرفة الشخص لمن ينتمي، لدور الزور أم القائم، للرقة أم لحديثة لقرب اللهجات المحلية، وعندما عاد أنطون سعادة بعد رحلة فكرية وبحثية وضمّ العراق لسوريا الكبرى لا أظنه ابتعد في ذهنه بمسافات أبعد من أطراف الموصل وتكريت والرمادي، وإن فعلها فلأن خرائط سايكس-بيكو فرضت عليه أطراف الحدود لدولته.
وفتح الحدود بين البلدين هو أمنية حزب الشعب السوري، الذي نشط في خمسينيات القرن الماضي وكان مشروعه الوحدوي يبدأ بالعراق، فلأن نفوذ الحزب الرئيسي كان في حلب أرض الصناعة، فقد رأى في الموصل خاصة والعراق عامة سوقاً مغرية كما خبرها في الماضي قبل فصل الأرضين من سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي.

ويقول أكرم حوراني في مذكراته "إن بداية الاتحاد العربي تبدأ بين سوريا والعراق نظراً للاتصال الأرضي الوثيق بين البلدين، حيث لا عوائق جغرافية، كما أن نفسية الشعبين متقاربة؛ لأن القبائل العربية التي أرفدت هذين البلدين هي واحدة الأرومة، والموصل أقرب إلى حلب، وما الجزيرة في شمال سوريا إلا امتداد جغرافي للعراق، وإن المزايا الاقتصادية للاتحاد تدغدغ أحلام البرجوازية السورية، ولا سيما في مدينة حلب، والتي يستند إليها حزب الشعب". إن أدوات الماضي -تلك- في تجاوز الحدود بين البلدين هي أدوات الحاضر، وستبقى أدوات في المستقبل.
لا يعني ذلك أن قـَدَرَ العراق التفكك، فعندما تحضر إرادة الوحدة والعيش المشترك فإنها تتخطى كل عوامل الانفصال والتطاحن، أما وقد دخلت المنطقة العربية بنزاعات طائفية وسياسية حادة، فإن التصدع السياسي والاجتماعي في العراق سرعان ما هزّ الأرض التي يقف عليها العراقيون فتحركت وتصدعت أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.