المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف الشاعل Headshot

لومبروزو بين العرب

تم النشر: تم التحديث:

أنهى دكتور مادة علم الاجتماع الجنائي شرح نظرية "لومبروزو" التي وضع فيها عالم الجريمة والطبيب الإيطالي تشيزري لومبروزو (1835 - 1909) مواصفات جسدية للمجرم، فأنفه مسطح، وذقنه ضيق، وعدم تناسق في الجمجمة، إضافة لكثافة شعر الرأس والجسم، وصفات أخرى، وفاجأ لومبروزو في تلك النظرية من تلقّاها؛ لأنه لم يرَ أن الجريمة سلوك مكتسب وطارئ في حياة الإنسان؛ بل إن هناك مَن يولد مجرماً.

تذكّرتُ بعد الاستماع للمحاضرة مثلاً من تراث جزيرة العرب توارَد خاطرياً مع نظرية لومبروزو، يقول: "أصغر العينين وأفرق السّنين لا تساريه ولا تباريه"، وفي روايات أخرى: "أزغر العينين.."، وتعني أن العينين فاتحتا اللون (أزرق، أخضر)، وتم اقتباس المثل من قصة تتردد بين الناس لإقناعهم بأهمية تلقّي النصيحة ممن خبروا الحياة وشؤونها، وتقول القصة إن "شاباً مغترباً عمل راعياً مع رجل مدة طويلة من الزمن، وعندما قرر الشاب الذي كبر في السن العودة لموطنه خيّره رب العمل بين الحصول على أجره، وهو مجموعة من الإبل، أو تلقّي ثلاث نصائح منه كمقابل لها، ففضّل النصائح على الإبل، فقال له: لا ترافق أزغر العينين أفرق السنين، ولا تأمن المسايل حتى بوقت القوايل، وإن زعلت بالليل خلي زعلك للنهار، وإن زعلت بالنهار خلّي زعلك لليل"،

سار الرجل عائداً لأهله، وفي الطريق التقى بشخص فترافقا، ثم لاحظ أنه أزغر العينين وأفرق السنين، فتذكر النصيحة وأخذ حذره، وفي وقت النوم وضع حوائجه داخل فراشه، واختفى في الظُّلمة، وإذا بالرفيق الجديد يقوم ويستلّ خنجراً ويطعن بالفراش، معتقداً أن الرجل تحته، فانقض الرجل على الخائن وقتله، ثم أكمل طريقه والتقى بقافلة ورافقها، فتوقفت القافلة وسط وادٍ، فحذّرهم الرجل من السيل فقالوا له ساخرين: "لا مطر في فصل الصيف"، وصعد الرجل أعلى الوادي وتركهم ونام، وعندما استيقظ وجد القافلة ومَن بها غارقة بمياه السيل الذي باغتهم ليلاً، فأكمل طريقه حتى وصل إلى أهله ليلاً، وتلصّص ليعرف أحوالهم، فشاهد زوجته تنام وبجوارها رجل، ففار دمه، إلا أنه تذكّر النصيحة الثالثة التي ترك المال لأجلها، فقال: أنتظر حتى الصباح، وتبيّن له عندما سأل في الصباح أن هذا الرجل هو ابنه؛ حيث ترك زوجته حاملاً قبل سفره الطويل".

ومن أجمل ما تم تجسيده تمثيلاً عن نظرية لومبروزو مشهد للممثل المصري محمد نجم في دور "عبده حرفوش المحامي"، الذي وجد نفسه يدافع عن قاتل تتلبَّسه الجريمة ومعترفاً بجرمه، فلجأ لنظرية لومبروزو طالباً من المحكمة تطبيق مواصفات المجرم التي أتى بها ذلك العالم على المتهم لعله يظفر بحكم مخفف لموكله، فأشار لأنف المتهم قائلاً "انظروا إنه ليس مفلطح"، وما كان من رئيس المحكمة إلا أن صحّح للمحامي الضائع توجهه قائلاً: "ليس هذا موكلك بل الشخص المجاور له"، فالتفت المحامي "حرفوش" إلى موكله المتهم، وتفاجأ بشكله؛ حيث لم يسبق أن شاهده، وكان قد تسلّم قضيته على عَجَل، وقال مخاطباً موكله: "يخرب بيتك ده وش تيجي بيه المحكمة.. ده لومبروزو مطبق النظرية عليك"، وخرج مسرعاً من القاعة على أصداء حكم القاضي بالإعدام على المتهم.

وترتكب آلاف الجرائم في اليوم حول العالم، وتتنوع تلك الجرائم وتتعدد ظروفها وأسبابها، وظهر الكثير من النظريات على خلاف نظرية لومبروزو، التي تُرجع كل منها أسباب الجريمة لعامل أو أكثر، سواء كان العامل نفسياً داخلياً أو اجتماعياً خارجياً أو جغرافياً أو حتى مناخياً، وهي تحاول التعرف على العلة لعلها تجد العلاج، إلا أنه من الصعب أن يترجح عامل على الآخر، والأسلم أن يقال إن لكل إنسان عامله الخاص به، وفقاً للمحيط الذي يعيشه، ووفقاً لبنيته العضوية والنفسية، فيترجَّح لهذا عامل ويترجَّح لذاك عامل آخر.

وبالعودة للمثل الشعبي ونظرية لومبروزو ومن أخذ من الآخر، فإن المثل الشعبي ليس خاصاً بجزيرة العرب، ففي كل مجتمع من المجتمعات القديمة أساطيرها وحكاياتها التي تتشابه كخلاصة لتجارب الشعوب، وعندما رسم لومبروزو نظريته من خلال المعمل والمشرحة بتجارب مادية تمثلت بتشريح جثث الأشخاص المنفذ ضدهم عقوبات الإعدام، فإنه التقى بشكل أو بآخر مع تلك الحكايات الشعبية التي لم تخرج من العدم، ولا بد أن الشعوب من خلال التجربة الطويلة والبطيئة لاحظت ما لاحظ لومبروزو، إلا أن الأخير توصل لها من خلال المعمل خلال سنوات معدودة، وتلك الشعوب لاحظتها من خلال التراكم البطيء للتجربة الحياتية، وكل ذلك يجعل نظرية لومبروزو جديرة بالتأمل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.