المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف الشاعل Headshot

اشتراكية في قلب الجزيرة العربية

تم النشر: تم التحديث:

مثيرٌ أن تكون أقل بقاع الأرض اهتمامًا وتأييدًا للاشتراكية، أعمقها ممارسة لها، ولعلها فرصة للاشتراكية والاشتراكيين أن يستشهدوا من ذلك على حقيقة الاشتراكية كتطبيق، وانسجامها مع الحياة الإنسانية بعيدًا عن التنظير والفروض.

لجأ العربي في جزيرة العرب إلى الاشتراكية ليتمكن من ممارسة سجية الكرم، حتى أصبحت الاشتراكية والكرم كالشقيقين الذين لا يعرفان بعضهما، وقد تكون البيئة الصحراوية شحيحة الموارد من محفزات صفة الكرم واشتراكيتها، حيث يحتاج الإنسان دائمًا إلى الآخر يقاسمه طعامه برضاه لأن الثاني سيحتاج يومًا ما للأول ليقاسمه أيضًا طعامه، فيشعر الجميع أن الملكية الخاصة معلقة على شرط وهو ألا يحتاجها الآخرون، فمجرد طرق الجار باب جاره، أو نزول عابر سبيل ضيفًا على مُضيفه تتحول الملكية الخاصة إلى الشيوع.

في منتصف القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) قـدِم مجموعة من الرجال يزيدون على الأربعين لمنزل زيد الخشيم في بلدة قفار بمنطقة حائل لمعرفتهم بكرمه وحسن استقباله للضيوف، وصادف أن كان مسافرًا للرياض فاستقبلتهم زوجته شمّاء وذبحت لهم السواني (وهي الإبل المعدة لاستخراج المياه من الآبار) وقالت لهم عبارتها الشهيرة: "حياكم الله ببيت الذي إن غاب وصى وإن حضر تقصى"، وعلم بذلك الأمير طلال الرشيد وعوّضها عن ذلك وزادها طعامًا، كما أن زيدًا توجه في يوم من الأيام بقصيدة إلى الأمير طلال يطلب منه أن يوفر له القهوة والطعام ليتمكن من إشباع ضيوفه الذين رأوا في داره مقصدًا لهم إذا مرّوا بديار زيد، وهنا لا يطلب زيد شيئًا ليدخله في ملكيته الخاصة بل هو توزيع للثروة فرضته الحياة الاجتماعية في حينها، وقد استجاب له الأمير تقديرًا لدوره الاجتماعي.

وفي منتصف القرن الرابع عشر الهجري كان حسن الدهيمان يمارس دورًا في مدينة سكاكا الجوف مشابهًا لدور زيد في حائل، فكان يأخذ من الموسرين ليقدمه للمترددين على مضافته التي كانت مقصدًا لأبناء البادية وعابري السبيل، وعرف حسن بشخصيته القوية وعدم استجدائه في الطلب بل كان يأمر الناس أمرًا أن يضعوا بين يديه ما يحتاجه لمضافته تلك، لأنه يرى ما عندهم وما عنده ملكًا مشاعًا مشتركًا لمجموع الناس، وإلا ستصعب الحياة على الأكثرية في ذلك الزمان.

لم يطلع زيد على كتب ماركس، ولم يقرأ حسن مؤلفات أنجلز، ولم يحملا بطاقة انتساب لأي حزب يساري أو اجتماعي لكنهما -كنموذجين للكثير من أبناء جزيرة العرب- أبدعا تلك المبادئ والوسائل لمواجهة الحاجة وفقر الموارد.

واعتمد الناس قبل زمن ليس ببعيد في حفلات الأعراس على بعضهم البعض في تجهيز مكان الحفل الذي يزدحم بالحضور، ويحتاج كميات إضافية من السجاد والأواني التي يعد ويقدم فيها القهوة والشاي والطعام فيتم تجميعها من الأقارب والجيران، ويكتب أسفل السجادة اسم صاحبها لإعادتها إليه بعد انتهاء الحفل، وفي أحيان تستبدل الأواني خطأ عند إعادتها لأصحابها، أو لا تعاد لصاحبها لعدم تذكره، وكان الناس في ذلك يمارسون عمق الاشتراكية قبل أن تتدخل الرأسمالية كعادتها لتقطع الطريق وتُفتتح مكاتب خدمات الأفراح وقاعاتها، التي توفر للعريس ما يحتاجه في حفلة الزواج بمقابل نقدي يتتبع كل شيء تم توفيره حتى السجاد يقاس بالمتر وتدفع أجرته حسب المساحة.

يرسم الإنسان منهجه في الحياة من خلال ما تطلبه تلك الحياة، وما ناسب من منهج في الأمس قد لا يناسب اليوم، فالوسائل متغيرة، أما القيم التي تسخّر لها تلك الوسائل فثابتة، وقد يتفوق صاحب التطبيق على صاحب النظرية لأنه تمكن من الفرز بين الوسيلة والقيمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع