المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف الشاعل Headshot

من ذكريات لوكربي

تم النشر: تم التحديث:

استقبلت صالة ميناء طرابلس مزيدًا من الناس والأمتعة، أشار عليَّ زملائي بأن نتناول غداءنا ثم نرجع لعل الازدحام يخف، مطار طرابلس العالمي مغلق بأوامر أمريكية، فنظام القذافي متهم بإسقاط طائرة مدنية أمريكية فوق قرية إسكتلندية صغيرة اسمها لوكربي، فاقت شهرتها لاحقًا بعض العواصم، كان عدد ضحايا لوكربي بالمئات وهم ركابها وبعض الناس الذين صادف وجودهم بمكان السقوط، مع مرور الوقت أصبح ضحايا الواقعة بالملايين، فكل من يقيم فوق الأرض الليبية ضحية أيضًا، فممنوع عليه السفر جوًّا، سواء كان حاجًّا أو مريضًا أو طالبًا أو سائحًا، لجأ الليبيون لمطارات دول الجوار، خاصة تونس ومالطا، وأحيانًا للسفن التي تقل الألف وأكثر من الركاب.

ليبيا المحاطة بالصحراء الكبرى والبحر تتصل بالعالم عن طريق السيارات والسفن، باختصار أعيدت إلى عصر ما قبل الطائرات، للكوارث أثر مباشر قاسٍ لكن أثرها غير المباشر يتراكم مع مرور الوقت مخلفًا المزيد من الأضرار والإحباط، وقد شكلت حادثة لوكربي وعاءً ثقافيًّا خاصًّا لليبيين، وقيل إن شاعرًا لا يخلو من جرأة وقف أمام القذافي لإلقاء قصيدة فقال: "إحنا ما إرهابيين.. ولا فجرنا لوكربي.. آهو اللي فجرها ((وأشار بإصبعه إلى القذافي الذي كان حينها يرفع رأسه عاليًا كعادته مختالًا.. إلا إن الموقف أجبره على إنزاله متعجبًا ومنتظــرًا)).. آهو اللي فجرها في الفاتح تسعة وستين.

عدت لصالة الميناء بعد الغداء، لا يزال أمامي المئات من المسافرين وحاويات القماش المقوى المليئة بالأمتعة، تم تحذيري من أن السلطات تصادر العملات الأجنبية فأخفيتها في جيب فصلته خصيصًا في الملابس الداخلية، إلا إن المعاملة كانت جيدة من قبل موظفي الجمارك كما كانت جيدة عند دخولي الأراضي الليبية من الأراضي المصرية عبر منفذ السلوم، وقد أخبرت أصدقائي عن ذلك عند وصولي وقلت لهم: فعلًا إن ليبيا لكل العرب، فأجابوني بأنه صحيح ليبيا لكل العرب إلا الليبيين.

يتشكل المسافرون من عدة جنسيات عربية منهم السودانيون الذين وضعوا نقودهم التي جمعوها خلال سنوات في الحذاء بمخبأ سري، لا أظنه يخفى على المخابرات الليبية التي ترافقنا على ظهر السفينة، وقد قال لي مرة أحد الإخوة الليبيين: إن سفينة حجاج وصلت ميناء جدة وعلى متنها خمسة آلاف مسافر نصفهم حجاج والنصف الآخر من عناصر المخابرات.

حملت السفينة غرناطة الألف عربي بأسرهم متجهة بهم إلى ميناء اللاذقية السوري في رحلة استغرقت خمسة أيام، شاهد الركاب على متنها مباراة كأس العالم بين فرنسا والبرازيل التي فازت بها فرنسا، ويحتفل الركاب في كل ليلة مع الفرقة الموسيقية التي وضعت لتسليتهم، ويخرجون بعد ذلك لمشاهدة القمر المكتمل بدرًا منصتين لصوت المياه التي تخترقها السفينة المصنوعة في إسبانيا منذ عشرين عامًا.
ستكون وجهة المسافرين السودانيين لأربعة دول بعضهم البقاء بسوريا للعمل، وبعضهم الدخول للبنان تهريبًا عبر الحدود للعمل أيضًا، والبعض إلى العراق للمطالبة بحقوق مالية قديمة، والبقية العودة إلى السودان جوًّا عبر مطار دمشق، لقد كان تحرك الباخرة غرناطة من ميناء طرابلس بمثابة الخروج من سجن كبير منع السوداني من العودة لبلاده المجاورة إلا عبر سوريا البعيدة.

تقف الباخرة في ميناء اللاذقية السوري صبيحة اليوم الخامس، أتنقل ببصري بين زرقة المياه، ورمادية مبنى الميناء، وخضرة الجبال في الخلف، وبياض السحب في قلب السماء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع