المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف السطي  Headshot

خدعونا فقالوا التعليم أولوية

تم النشر: تم التحديث:

يدور في قاموس سياسيينا العديد من المواضيع التي في كل مرة يسلطون الضوء على واحدة منها، في خضم معارك سياسية بين مختلف الأطراف، ومن بين أكثر المواضيع نجد التعليم، الهوية، الصحة، الأمن، القيم.

تضيق نفوسنا من كيفية تناول الفاعلين السياسيين ببعض بلدان وطننا العربي لموضوع التعليم، ففي كل مرة نسمع نفس الأسطوانات التي تردد أن التعليم في خطر، وأن الوضع التعليمي مزرٍ، وأن النظام التعليمي لا يخرّج الأطر والكفاءات المنشودة، وغيرها من الرنات، لكن في حقيقة الأمر، هل فعلاً يحظى قطاع التعليم بأولوية عند مسؤولينا؟ إن كان يحظى بأولوية، فلماذا لا تزال دار لقمان على حالها؟ وإن كان العكس، فإلى متى سنبقى نسمع نفس الأسطوانات المشروخة؟

نلاحظ الكثير من الأمور ونلمس أكثر ما يدفعنا إلى طرح هذه الأسئلة، ففي واقعنا المعاش داخل الجامعة، وما عشناه قبل في مختلف مراحل دراستنا، نقف على مجموعة من الإجراءات والتدابير والسلوكيات ترجح كفة أن لا أولوية لقطاع التعليم عند بعض دولنا العربية، باستثناء أولوية إدراج هذه النقطة في اجتماعات الأحزاب السياسية، وعلى نقط المهرجانات الخطابية.

في جامعتي بالمغرب، تنطلق الدراسة عندنا في شهر تشرين الأول/أكتوبر، مع العلم أن الموعد القانوني للانطلاق هو شهر أيلول/سبتمبر، ويرجع هذا إلى كون بعض الأستاذة يلتحقون بمدرجاتهم وقاعاتهم في التاريخ الأول، معتبرين أن العطلة الصيفية لم تنته بعد، ما داموا يأخذون أجرهم الشهري كاملا دون نقص، وبالرغم من التحاق بعض الطلبة مبكرا بمدرجاتهم، إلا أن غياب المدرس يخلق مشكلا، وبالتالي يأتي الطلاب اليوم الأول والثاني والثالث دون جدوى، بعدها يذهبون بلا رجعة حتى وقت متأخر، لعل الأستاذ قد يكون التحق. وأمام هذا المشكل، هل الدولة عاجزة عن متابعة سير بداية الموسم الجامعي بشكله الطبيعي إذا كانت تعتبر التعليم أولى الأولويات عندها؟

تتحول بعض جامعات المغرب وخصوصا العريقة منها (فاس، وجدة..) في بعض اللحظات إلى ساحات حرب، وكأنها مشهد تمثيلي لفيلم تاريخي يحكي عن بطولات الحروب، كان آخرها ما شهده المركب الجامعي ظهر المهراز بفاس قبل أسابيع، حيث أقدمت قلة قليلة راديكالية التوجه نحو اليسار، على منع طلبة كلية الآداب والحقوق من اجتياز امتحاناتهم الربيعية، مستعملين في ذلك كل أشكال القوة ومختلف أنواع الأسلحة، أمام مرأى ومسمع إدارة الكليتين ورجال الأمن بمختلف تلاوينهم، دون أن تتدخل هذه الأخيرة لحماية أرواح المئات من الطلاب، كانت قاب قوسين أو أدنى أن تزهق بدم بارد. وأمام هذا، هل الدولة عاجزة عن متابعة هؤلاء وتوفير الأمن للطلبة؟ هل هي عاجزة عن اتخاذ إجراءات تجعل مؤسسة من مؤسساتها تسير وفق مجراها الطبيعي إذا كانت تضع التعليم على رأس أولوياتها؟

من جهة أخرى، لا يزال موضوع لغة التدريس بالمغرب شائكا ويسيل في كل مرة الكثير من المداد، ما بين اللغة الفرنسية التي يعلم القاصي والداني درجتها في سلم البحث العلمي، واللغة الانجليزية التي وصلت إلى ما وصلت إليه في الإصدارات العلمية والبحث العلمي، ففي الوقت الذي يبدي الطلاب نفورهم من اللغة الفرنسية وجعل اللغة الأجنبية الأولى في هذا المجال هي اللغة الانجليزية بدل الأولى، يصر أصحاب القرار على ترك الأمور كما هي، ودون الاكتراث بالمتغيرات المحيطة بهم، والمتمثلة في اكتساح اللغة الانجليزية للعالم، وتراجع الفرنسية إلى أسفل سافلين، وبطبيعة الحال، لا يقف وراء هذا دراسات علمية رصينة أو غيرة مسبقة عن أبناء البلد، وإنما الحبل المتحكم في هذا لا يمكن فصله عن تاريخنا القريب، والمتمثل في اعتبار فرنسا دولة امبريالية استعمارية، عاثت في بلدنا فسادا منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى جانب أن خروج القوات العسكرية الفرنسية من البلد فيما سمي بـ"الاستقلال"، ما كان ليكون لولا ضمان فرنسا مصالحها، ومن ضمنها بقاؤها متحكمة في دواليب القرار.

وأمام هذا، هل الدولة عاجزة عن جعل اللغة الانجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى بالمغرب بدل الفرنسية، لما حققته هذه الأخيرة من تطور كبير كما ذكرناه، لو كانت فعلا لها رغبة في جعل قطاع التعليم في أحس حال؟

هذا غيض من فيض مما يعانيه قطاع التعليم في المغرب، ويشترك معه أكثر من دولة عربية، هو قطاع يعد أوسع باب من أبواب النهضة، إذا أعطيته أعطاك وزيادة، وإذا أهملته أهملك ولا تنتظر منه شيئا، هو قطاع أرجعه اليابانيون سببا في قفزتهم من لا شيء إلى كل شيء، حينما أعطوا للمعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير، تقديرا للدور الذي يقوم به، لا مثلنا، نتكلم ونتكلم ونتكلم، وفي النهاية جعجعة بلا طحين...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.