المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف السطي  Headshot

انتخابات 4 سبتمبر/أيلول بالمغرب.. السياقات والدلالات

تم النشر: تم التحديث:

شهد المغرب يوم 4 سبتمبر 2015، انتخابات جماعية وجهوية، هي الأولى في البلاد منذ الحراك الشبابي الذي عرفه العالم العربي سنة 2011 بشكل عام، والحراك الذي عرفه المغرب منذ 20 فبراير من نفس السنة بشكل خاص، وما تلا ذلك من إصلاحات سياسية عرفتها البلاد، تمثلت في إقرار دستور جديد شهر يوليو من السنة ذاتها، ثم انتخابات برلمانية بعد أربعة أشهر، أعطت لحزب العدالة والتنمية الإسلامي المرتبة الأولى.
حطت جميع الأنظار على هذه الانتخابات، نظرا لأهميتها كما تقدمت به في السياق الأولي من جهة، ومن جهة ثانية لتتبع التنافس السياسي بين الأحزاب المغربية، خاصة بين الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية وأحزاب المعارضة، والأهم من هذا وذاك، فهي تأتي كعملية استفتاء لشعبية حزب العدالة والتنمية قائد الحكومة. لذا سنقف عند سياقات ودلالات الانتخابات الجماعية والجهوية بالمغرب، على مستوى حزب العدالة والتنمية قائد الأغلبية الحكومية، وأيضا على مستوى أحزاب المعارضة.

حزب العدالة والتنمية: انتخابات بطعم الاستفتاء

تمكن حزب العدالة والتنمية خلال هذه الانتخابات، من الظفر بعدد مهم من المقاعد على مستوى مختلف الجماعات الحضرية والقروية، حيث حصل على ما يقارب 1.672.000 صوت في مجموع التراب الوطني، وهو ما يعني حصوله على أكثر من 5000 مقعد بالجماعات المذكورة، في الوقت الذي كان فيه الحزب قد حصل في الانتخابات الجماعية لسنة 2009 على ما يقارب 460.770 صوت، بعدد المقاعد حدد في 1552 مقعداً.
أما على مستوى الجهات، فقد حصد حزب العدالة والتنمية على 174 مقعدا بالمجالس الجهوية، محتلا بذلك الرتبة الأولى بين باقي الأحزاب، ومتقدما عن أقرب منافسيه وهو حزب الأصالة والمعاصرة بفارق 42 مقعدا.

هذه الأرقام والمعطيات لا ينبغي المرور عليها مرور الكرام، كيف ذلك وهذا الحزب هو الذي يقود الحكومة المغربية، أي أن العديد من الإجراءات أصدرتها الحكومة، ربما لم تكن في مصلحة المواطنين، الشيء الذي سيدفع هؤلاء المواطنين بعدم التصويت على حزب العدالة والتنمية كإجراء عقابي له، أو هكذا تمناها معارضوه.

تقلد حزب العدالة والتنمية شؤون تدبير البلاد أواخر سنة 2011 في وقت عصيب، اتسم بطغيان نفس احتجاجي يطوف المغرب طولا وعرضا، شمالا وجنوبا، غير أنه لم يصل إلى نفس المستوى الذي عرفته البلدان المجاورة له، كتونس وليبيا ومصر، كما رفع الحزب في مرحلته شعار محاربة الفساد، الشيء الذي دفع بالعديد من المواطنين المغاربة بعقد العزم عليه.

خلال مسيرته التدبيرية لشؤون البلاد، اتخذ الحزب بمعية أحزاب الأغلبية الأخرى إجراءات اجتماعية واقتصادية لاقت استحسان المواطنين، كما اتخذت أيضا إجراءات أثارت حفيظة الطبقة الوسطى والفقيرة، وهو ما كانت تبرره الحكومة بالظرفية الصعبة للبلاد وبمصلحة الوطن، فيما كان رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران يكرر في كل مناسبة: "إذا كانت مصلحة الوطن تقتضي منا أن نضحي بشعبية حزبنا، فلنضحي بهذه الشعبية.. مصلحة الوطن أولى".

في هذه الانتخابات، وانطلاقا من النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية، يبدو أن المغاربة- ليس كلهم- قد استوعبوا الظروف التي تمر بها البلاد، واستوعبوا ما تقتضيه مصلحة الوطن، لذلك صوت أكثر من مليون ونصف المليون مغربي على هذا الحزب، ربما لاقتناعهم بمنجزات الحزب على مستوى الحكومة، ربما بتأثرهم بشخصية عبد الإله بن كيران وملامستهم لصدقه ووفائه، أو ربما لأنهم لم يروا بديلا حقيقيا في صفوف أحزاب المعارضة.

أحزاب المعارضة: تقدم بطعم الهزيمة

منذ مدة طويلة وأحزاب المعارضة المغربية، المتمثلة في حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الأصالة والمعاصرة، تعمل على تأجيل موعد الانتخابات الجماعية والجهوية، وهو ما اعتبره البعض أمرا مثيرا للسخرية، ما دام في مختلف البلدان الديمقراطية، المعارضة هي التي تطالب دائما بإجراء انتخابات مبكرة، فيما قرأها البعض الآخر على أنها تكتيك سياسي، الغرض منه إجراؤها أواخر الولاية الحكومية الحالية التي ستنتهي أواخر سنة 2016، حتى تكون الأغلبية الحكومية منهكة شعبيا بفعل ما تراه المعارضة قرارات لا شعبية تمس في جوهر الحياة العامة للمواطن البسيط أقدمت عليها الحكومة، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

سياسيا، لم تكن نتائج انتخابات 4 سبتمبر في صالح أحزاب المعارضة، فالأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة مصطفى الباكوري لم يتمكن من الفوز بمدينة المحمدية، ومدينة طنجة التي كان يترأس مجلسها القيادي في الحزب ذاته فؤاد العماري قبل هذه الانتخابات، أصبحت بيد حزب العدالة والتنمية، ومدينة فاس التي كان يعتبرها الاستقلاليون قلعة من قلاعهم المحصنة منذ 12 سنة، سقطت هي الأخرى من يد الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط وراحت بين يدي القيادي في حزب العدالة والتنمية إدريس الأزمي الإدريسي، نفس الشيء مع العاصمة الرباط التي كان يسيرها القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فتح الله ولعلو، أصبحت بعد يوم 4 سبتمبر في يد حزب العدالة والتنمية، أضف إليها مدينة أكادير التي سيرها الاتحاديون لعقود، هوت هي الأخرى بين أحضان حزب العدالة والتنمية، ولم تكن مدينة مراكش بعيدة عن هذا التراجع حينما سقطت من حزب الأصالة والمعاصرة وظفر بها حزب العدالة والتنمية.

يبدو من كل هذا أن خطاب أحزاب المعارضة لم يعد يجدي نفعا لدى المواطن المغربي، فاتهاماتها للأمين العام لحزب العدالة والتنمية بالانتماء لما يعرف بـ "داعش" و"الموساد" لم تنل من اختيار الناخبين، وخلقها لمعارك هامشية لا تسمن ولا تغني المواطن من جوع، هي الأخرى لم يعد لها جدوى، وكأن حال هذا الأخير يقول: "صارحني حتى وإن أخطأت فأنت مقبول عندي".
اليوم، وقبل عام من الانتخابات البرلمانية، على أحزاب الحكومة أن تسرع من وتيرة منجزاتها لصالح الطبقة الوسطى والفقيرة، وأن تكمل المشاريع التي انطلقت في هذه الفترة، وعلى أحزاب المعارضة أن تجدد خطابها، ليكون واقعيا أكثر، حتى يرى فيها الشعب بديلا حقيقيا لما هو موجود اليوم على الساحة السياسية.

وأمام هذا وذاك، يبقى المنتصر في هذه الانتخابات هي الدولة المغربية، هي إرادة الإصلاح والتغيير، هو منهج الإصلاح في ظل الاستقرار، ففي الوقت الذي كنا فيه نحن المغاربة يوم 4 سبتمبر نسقط أوراق التصويت على من اخترناهم أن يمثلونا داخل صندوق الاقتراع، كانت دول عربية أخرى تعيش على وقع تساقط الأرواح، وشتان بين الفعل والفعل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع