المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف حسني Headshot

خياركم في الثورة خياركم في الانقلاب

تم النشر: تم التحديث:

كان الشباب زخيرة ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وحاملو رايتها، هم الذين اندفعوا للشوارع، مُعلنين إيمانهم بالحرية وكفرهم بالاستبداد، في حين كان الشيوخ من كل اتجاه آخر من نَزل وأكثر من تأخر وأقل من بذل.

نادى الشباب بتغيير نظام حسني مبارك، ودعا الشيوخ للحوار معه، رفض الشباب الجلوس مع اللواء عمر سليمان -نائب مبارك- عندما ارتفعت أمواج الثورة وأوشكت على ابتلاعه، وكان الشيوخ أول من جَلَس.

حتى الشباب المنضوي تحت رايات بعينها، وخصوصًا شباب الإخوان المسلمين، كثيرًا ما خالفوا ونزلوا وتمسكوا بما رآه شيوخهم خطرًا داهمًا قد يُفضي لنهايات مأساوية، وَقَعَت لاحقًا.

نظر الشباب للثورة باعتبارها الأم التي يجب حَملَها على الأكتاف لتأدية مناسك الحرية دون حسابات لمكسب أو خسارة، كانوا يؤدون ما يرونه فرض عين، فيما نظر إليها الشيوخ من كل اتجاه بوصفها بعيرًا سيمتطونه لكي يصلوا إلى غاية ما، ثم يربطونه في شجرة التاريخ بقيد من حديد أو يذبحونه بعدما يؤدي مهمته التي يعتقدون أنه من أجلها خُلِق.

وحتى عندما نجح الشيوخ في احتواء شبابهم وتهدئة الجموع وتفريغ الميادين، وأقنعوا العوام بأن إسقاط رأس النظام يعني نجاح الثورة، كان الشباب ينادون بالقصاص والاستمرار في الضغط.

وعندما غلبت السياسة الثورة واختلفت الرؤى وضرب الخلاف صف الثورة، وقف الشيوخ في صف ممثلي النظام القديم الذين بدأوا تصفية ممنهجة لبعض التيارات الشبابية التي يرونها خطرًا عليهم، في حين انضم الشباب لمجايليهم وساندوهم، وقد تجلى هذا في أحداث محمد محمود الأولى التي استمرت من التاسع عشر إلى الخامس والعشرين نوفمبر/تشرين الثاني 2011، عندما انخرط كثير من شباب الإخوان والحركات الإسلامية الأخرى في صفوف المعارضين للمشير طنطاوي، وتحملوا في سبيل ذلك الكثير، وبعضهم تم فصله من جماعته.

لكن هل كان كل الشباب ينافحون عن الثورة فقط، وهل كان الشيوخ يدافعون عن مصالحهم السياسية فقط؟ بالطبع لا، الواقع يدلل على ذلك.

فقد كان بين الشباب من يسعى هو الآخر لتحقيق مصلحة، أي مصلحة، مستخدمًا شعارات الثورة كجسر للوصول إلى جهات بعينها لتحقيق غايات بعينها؛ فمنهم مثلاً من حاول شق صف حركة شباب 6 أبريل بتشكيل جبهة ثانية للحركة تحمل نفس الاسم، وهو الآن يرتدي بدلة ويحمل بطاقة عضوية في البرلمان ويجلس تحت قبته ولا يكف عن مهاجمة من كانوا يومًا رفقاء نضال ضد الظلم.

هناك أيضًا من شكل ائتلافات لا قيمة لها، لكنها اشتقت من الثورة اسمًا لها، وقد تناول هؤلاء طعام السحور في ليلة من ليالي شهر رمضان 2012 سرًّا مع المرشح الرئاسي أحمد شفيق الذي لم يكن إلا إعادة إنتاج لنظام مبارك، في حين كان شباب 6 أبريل والاشتراكيون الثوريون وآخرون مستقلون من أمثال وائل غنيم، يعلنون وقوفهم إلى جانب محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين، مؤكدين انحيازهم للثورة التي كان الإخوان جزءًا منها، مهما كان حجم الخلاف معهم، "إنها مسألة مبدأ"، هكذا قال لي منسق حركة شباب 6 أبريل أحمد ماهر، المحبوس حاليًا، عندما سألته عن سبب هذا الانحياز.

ولعل الدليل الأبرز على أن كل الشيوخ لم ينصاعوا للمصالح، وأن كل الشباب لم ينحازوا للثورة، هو موقف الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل الذي كان في مجمله مناصرًا للثورة في أغلب محنها، في مقابل موقف مؤسس حركة تمرد محمود بدر -الذي لم يكن له ذكر قبل تأسيس هذه الحركة التي شكك بعض المنسحبين منها في نزاهتها- ثم أصبح رمزًا يدرسه طلاب المدارس في مناهجهم.

بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، الذي ارتكب من خلاله الشباب نفس الخطأ الذي عابوا على الإخوان الوقوع فيه من قبل، وهو الاستعانة بالعسكر، جرت دماء كثيرة تحت الجسر، وقد أكدت هذه الدماء أن خيارنا في الثورة هم خيارنا في الانقلاب؛ ففي حين بارك الباحثون عن المصلحة من الشباب سفك الدماء وغضوا أبصارهم عن الانتهاكات الصارخة بحق المعارضين، بل وبحق الوطن نفسه، كانت حركات شبابية مؤمنة بالثورة أول من ندد بالقمع والقتل ثم ما لبثوا أن نزلوا للشوارع مناهضين لنظام عبد الفتاح السيسي، وهو ما أدى لسجن كثيرين منهم.

والآن، بعد كل هذه الدماء، وبعد كل هذا القمع، لا يزال الواقع يؤكد لنا أن الأخيار في الثورة هم الأخيار في الانقلاب.

ففي الوقت الذي لا نسمع فيه صوتًا للسلفيين الذين تعودنا منهم تبرير سفك دماء معارضي العسكر، وفي حين راحت مجموعات شبابية تدعي الثورية تؤسس حركات لحظر الأحزاب الدينية أو لمنع النقاب، متجاهلين ما يحدث للثورة من قتل ممنهج، فإن حركات أخرى ما زالت تناهض القمع وترفض الديكتاتورية وتنادي بالقصاص للجميع من الجميع.

في 25 يناير/كانون الثاني 2015، وخلال إحياء ذكرى الثورة، أعلنت حركة شباب 6 أبريل انضمامها لشباب الإخوان الذي واجهوا آلة أمنية شديدة الغباء والقسوة في ميدان المطرية شرق القاهرة.

في 26 يونيو/حزيران 2015 دعا بيان صادر عن المكتب السياسي لحركة "الاشتراكيون الثوريين" لبناء جبهة ثورية جديدة متجاوزة لفوبيا الإسلاميين ومستعدة لتجاوز هستيريا المجابهة العلمانية الإسلامية المجردة".
"هدفنا بناء جبهة ثورية واسعة لا تضم الإخوان لكنها منفتحة للعمل المشترك والاصطفاف المشترك مع شباب الإسلاميين"، هكذا قال البيان.

اللافت أن شباب الإخوان أيضًا أعلنوا تمردًا غريبًا على أدبياتهم، ورفعوا أصواتهم في وجه الشيوخ، وطالبوهم صراحة بتبني فكر الثورة وليس الإصلاح، في حين لا يزال شيوخ الإخوان ينتهجون نفس النهج القديم الذي أوردهم المهالك وأعادهم للسجون والمنافي، ما يعني أن خيار الإخوان في الثورة هم أنفسهم خيارهم في الانقلاب، فالشباب الذين ملأوا الشوارع في يناير/كانون الثاني 2011 وما بعده، هم أنفسهم الذين ماتوا وسجنوا وعذبوا، بينما الشيوخ الذين ترددوا كثيرًا، ما زالوا مترددين في الانحياز الكامل للثورة.

هناك نماذج كثيرة مستقلة أثبتت أنها خيّرة في الثورة وفي الانقلاب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مؤسس حزب غد الثورة الدكتور أيمن نور، والشاعر عبد الرحمن يوسف، الدكتور عمرو حمزاوي، الكاتب بلال فضل، وآخرون، فجميعهم خالف الإخوان إبان حكمهم لمصر، لكنهم رفضوا قتلهم وقمعهم بهذه الهمجية الحاصلة، ما يعني أن الخلاف كان من باب تحسين الأداء، وليس من باب السعي لمحو تيار بعينه من على وجه الأرض.

نماذج أخرى مستقلة أثبتت أنها تمثل الشر في الثورة وفي الانقلاب، فهم حملة مباخر الحاكم أيًّا كان، رقصوا في ساحة مبارك ومن بعده طنطاوي ثم في ساحة مرسي، وأخيرًا رقصوا عراة في ساحة السيسي، وهم معروفون بالاسم للجميع.

في الأخير، لا يمكن لعاقل أن ينكر حقيقة أن من أخلصوا للثورة في بدايتها هم أنفسهم من انحازوا لها بعد الانقلاب، وإن وقعوا في أخطاء كثيرة، لكن يكفي هؤلاء أن واقعهم يثبت أنهم ليسوا أصحاب مصالح خاصة، وإنما أصحاب أفكار يسعون لتحقيقها ويبذلون في سبيلها الكثير، والكثير جدًّا، أما الباحثون عن المناصب أو المصانع أو المنابر، فسيذكر التاريخ أنهم كانوا شرار الثورة وشرار الانقلاب، ولو بعد حين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.