المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بزي  Headshot

عن معاقبة لبنان.. لا "حزب الله"

تم النشر: تم التحديث:

يتم في لبنان تداول الطرفة المريرة التالية: "إذا كنت مشتاقاً لصاحبك المقيم في السعودية، أرسل له عبر "الواتس آب" عبارة "حزب الله"، فيكون عندك ببيروت في اليوم التالي."
..في إشارة إلى التدابير التعسفية التي تصيب اللبنانيين، هذه الأيام، في بعض الدول الخليجية.

فالسعودية الناقمة على "حزب الله"، وعلى السياسة الحكومية اللبنانية الخاضعة لنفوذ هذا الحزب، بدأت باتخاذ إجراءات ثأرية عدة. فبعد تجميد الهبة المالية الضخمة لتسليح الجيش اللبناني، وإغلاق "البنك الأهلي السعودي" في بيروت، منعت مواطنيها من السفر إلى هذا البلد، وأوقفت رحلات طيرانها المدني إلى العاصمة اللبنانية. وها هي تباشر بطرد مغتربين لبنانيين عاملين في السعودية، وتلوّح بإنهاء خدمات الآلاف من الموظفين اللبنانيين في الشركات والإدارات السعودية، كعقاب جماعي له أثر فادح على الاقتصاد اللبناني، الذي يتلقى سنويًّا مليارات الدولارات من تحويلات العاملين في دول الخليج. فهذه الدول تحذو حذو السعودية في هذه الإجراءات العقابية المتتالية، والمتصاعدة.

وعلى الرغم من التفهم الواسع الذي يبديه اللبنانيون لأسباب السخط الخليجي من لبنان الرسمي، بل ومشاركتهم للخليجيين النَقِمَة على سياسات "حزب الله"، وأدواره التخريبية خارج الحدود اللبنانية، إلا أنهم في الوقت نفسه يستهجنون رد الفعل الخليجي، فبدلاً من معاقبة هذا الحزب، يُعاقب الجيش اللبناني. وبدلاً من مطاردة خلايا "حزب الله" يتم طرد اللبنانيين من وظائفهم وأعمالهم.

يقول أحمد الأسعد، أحد أبرز السياسيين الشيعة المناوئين بشدة لـ"حزب الله": "إن الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية ولّدت خيبة لدى جميع اللبنانيين، فهي توفّر لحزب الله ذخيرة يحتاجها للتصويب على صدقية المملكة، وهذا ما يدفع لبنان أكثر إلى داخل فم الوحش الإيراني".

بهذا المعنى، يشعر اللبنانيون الذين يعارضون "حزب الله"، أن القصاص ينزل على غير المذنبين، ويرون في المبادرات التي تتملق المملكة، كحملة "تيار المستقبل" لجمع تواقيع مليون لبناني على ما أسماه وثيقة "لبنان للإجماع العربي"، وتشجيع تقاطر "الوفود الشعبية" إلى السفارة السعودية تأييداً ومبايعة لسياسة المملكة.. يرون فيها نوعاً من الإذلال الوطني.

ويستغرب لبنانيون كثر هذه الاستفاقة الخليجية حيال الوضع القائم منذ سنوات عديدة في لبنان، والذي كرسه "اتفاق الدوحة" عام 2008، حين جمعت العاصمة القطرية، برعاية خليجية وأوروبية وأميركية، طرفي النزاع في لبنان، أي قوى 8 و14 آذار، وتمت صياغة الاتفاق المذكور، الذي كرس ما سمي "الديموقراطية التوافقية". والترجمة العملية والفعلية لهذه "الديموقراطية التوافقية" تعني أن أي كل قرار أمني أو سياسي أو إداري، بدءاً من تعيين أصغر موظف إلى قرار الحرب والسلم مروراً بانتخاب رئيس للجمهورية، لا يتم إلا بـ"التوافق" مع الحزب المذكور.

كذلك يمنح هذا الاتفاق "حزب الله" شراكة دائمة في أي حكومة لبنانية، كما يمنحه حق "الفيتو" في القرارات السياسية والأمنية والإدارية، بما فيها تشكيل الحكومات وكتابة بيانها (برنامجها ووجهتها) وتوزيع الحقائب الوزارية فيها، وقانون الانتخابات النيابية، والنصاب القانوني لانتخاب رئيس الجمهورية. وبمعنى آخر، عطّل "اتفاق الدوحة"، تحت شعار منع الحرب الأهلية، النظام الديمقراطي وآلية إنتاج السلطة عبر الانتخابات، وثبّت هيمنة "حزب الله" على مفاصل الدولة وقرارها السياسي والسيادي، ومنح سلاحه شرعية إضافية، سمحت له باستباحة الحدود اللبنانية والتدخل في كل حروب المنطقة، من سوريا إلى اليمن، ومن البحرين إلى العراق، من غير قدرة للدولة اللبنانية على كبحه أو منعه.

في مواجهة هذا الواقع، المكرس منذ العام 2008، يأتي العقاب الخليجي للبنان بسبب ممارسات "حزب الله"، وكأنه تعويض عن عجز بمواجهة إيران، راعية الحزب وممولته ومسيّرته. وربما ما يبدو تعويضاً هنا قد يصير خسارة إضافية في سجل المواجهة بين السعودية وإيران.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.