المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس برداعي Headshot

ليس دفاعاً عن الأحزاب المغربية

تم النشر: تم التحديث:

في خطابه بمناسبة الذكرى 18 لوصوله إلى الحكم، انتقد ملك المغرب محمد السادس الأحزابَ المغربية واتهمها بالفساد والعجز والاختباء وراء المؤسسة الملكية، وعبّر عن عدم ثقته في المسيّرين لها والمنخرطين فيها.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يحمِل فيها العاهل المغربي سوط النقد في وجه المؤسسات الحزبية، فقد سبق أن اتهمها بالتهافت خلف الأصوات الانتخابية، ثم الحقائب الوزارية، عقب الاقتراع التشريعي الذي شهدته البلاد في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016، إبان "تجميع" الحكومة التي تعثّر تشكيلها أشهراً طويلة.

إلى حدود هذا التشخيص، تبدو الأمور طبيعية: رئيس دولة ينتقد حكومته ويلوّح بمحاسبة المخطئين، وإقالة المتورطين، و"استبدالهم" بقوم غيرهم. لكن خطورة الأمر وعجائبيته تبدو جلية حين تفحُّص تركيبة نظام الحكم المغربي، ومسار تعامل السلطة المغربية مع النخب السياسية قصد سحقها أو تطويعها.

يلحظ كل متتبع لسريان الأحداث السياسية في المغرب، أن الصورة التي يحملها جل العامة (الرأي العام) عن البرلمان، هي "رسمُ" تلك الغرفة المُعدّة للاستراحات المريحة على السّرر الوثيرة، حتى إن البعض يحرّف اللفظة لتصير "البرلنام" اشتقاقاً من فعل نام. هو أيضا تجمُّع للصوص والمنتفعين والحربائيين الذين سلكوا كل الطرق المشروعة واللامشروعة لحصد الأصوات والتنعم في "بر الأمان".

كما أن المؤسسات الحزبية، تُرى في الغالب الأعم، باعتبارها "حُجرات انتخابية" لا همّ لها إلا حلب المواطن والوطن وتقديم الحصاد لحمَلَة بطاقات الانتماء إليها.
هاتان الصورتان تزكّيهما وتساهم في ترسيخهما، الحملات الإعلامية الساخرة التي تُشنّ في مواقع التواصل والصحافة الرقمية والورقية، ولنا أن نعود لأرشيف الكاريكاتير، ومقاطع الفيديو وصفحات السخرية؛ لنرصد المواد الهازئة من النواب النوام، والوزراء المترنحين والمتلعثمين، والمستشارين الفاقدين للنطق والقول وسلامة التعبير والتفكير.

لا بدَّ أن نُقر بأن جلّ هذه المعطيات صحيح، وأن السخرية من كل الظواهر والعاهات مشروعة، وأن تقريع رأس الدولة للمؤسسات الحزبية فعلٌ صواب.

لكن ألا نعيد العدادات إلى الصفر لنطرح الأسئلة الناجعة والأكثر جدوى وإيلاماً: ما هي الأحزاب السياسية؟ ومَن جعلها على الحالة التي آلت إليها؟ ومَن له مصلحة في إضعافها وتمييع مفاصلها؟ ومَن يجني ثمرة كل ذلك؟
ينسى المنتقدون والساخرون، أو يتناسون، أن الأحزاب السياسية في أصلها، إنما هي تلخيص وإفراز للمجتمع.

وليسأل القارئ -المعنيّ- نفسه عن عدد المنتمين إلى الأحزاب السياسية، من أقاربه.. من أسرته وحيّه والمحيطين به، كم منتخباً أو برلمانياً يقرب له وكم مستشاراً زامله في الدراسة أو العمل؟

الأكيد أن العدد ضخم، فالمنتمون الذين يستحيلون مرشحين ثم برلمانيين أو حمَلة حقائب وزارية، ليسوا كائنات حطت على أرض الناس من كوكب عطارد، بل هم مواطنون يأكلون الطعام ويعُبّون الشراب، لهم رصيد فكري أو شعبي، حاولوا استثماره في الحقل السياسي لمآرب خاصة أو عامة، لكنهم اكتشفوا حين التوغّل، أن الحقل السياسي مائع برعاية فوقية، فسارعوا إلى اقتطاع جزء من الكعك والوحل، فلم ينتبهوا إلا والأحوال تبلغ التأزم والأوحال تُجاوِز الرّكب، فتسفيه سياسي فسد أو أُفسد بفعل رعونة الفضاء واتساخ المجال، إذ ذاك، أو الطعن فيه والسخرية منه، إنما هو طعن في طبيعة المجتمع ومختلف فئاته.

سيبرز هنا مَن يقول: "لكنهم فاسدون (أو جلهم)، نزعوا رداء الطهارة وانغمسوا في يم الفساد والارتزاق". هنا يأتي جواب السؤال بسؤال ثانٍ: مَن جعلهم كذلك؟ سيبدو من التجنّي اتهام النظام المغربي بهذا الفعل وإلصاق التهمة به، لكن كل ذي ذاكرة حافظة أو واسع اطلاع يعلم أن المؤسسة الملكية ما فتئت منذ الاستقلال تتقوى من ضعف الأحزاب التي رأت فيها منافساً حقيقياً ومزاحماً شرساً على الشرعية السياسية، فعمدت إلى إغراء "مناضليها" وإيقاظ غريزة الشرَه والطمع في نفوسهم، ما نتج عنه إغراق وليُّ ذراع، وهذا الأمر حاصل منذ أيام الحركة الوطنية وما زال مستمراً إلى حاضر سياسة اليوم.

ولا غضاضة في استعارة قاعدة من علم الإجرام تقول: "إذا أردت أن تعرف الجاني فابحث عن المستفيد من الجريمة". فمَن المستفيد من فعل اغتيال الأحزاب السياسية؟ إن أول مستفيد من إفساد الأحزاب وإفراغها وتسفيهها وتبخيس قدرها، هو "المخزن" الحاكم بأذرعه السياسية والاقتصادية، فكأن المؤسسة الملكية تخاطب كل مَن خرجوا إلى شوارع التظاهر منذ فبراير/شباط 2011، وكل المنافحين عن التغيير المطالبين بإنهاء الاستبداد والانفراد بالتدبير: "أمن أجل ذلك طالبتم بملكية برلمانية؟ ألهؤلاء الفشلة والمتهافتين والوصوليين تريدون تسليم البلاد؟".

لا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام على أنه دفاع مستميت عن المؤسسات الحزبية أو محاولة لتلميع مفاصلها التي تغشّاها الصدأ، بل هي محاولة لصرف النظر من النتيجة إلى السبب، فالمنتفعون والوصوليون والانتهازيون الذين "تزخر" بهم المؤسسات الحزبية، هم نتائج وإفرازات مباشرة لنظام سياسي معطوب مغلف بالعبث، والتربة الفاسدة لا تُنتج منافع نَضِرَةً، بل طفيليات وفطريات سامة، ومناخ سياسي ملوث، لن يتأتى عنه إلا أحد رجلين: طامع باحث عن ثراء عاجل، أو منبطح متزلّف لا هَمّ له إلا رضا "أولي الأمر".

هي أيضاً محاولة للتركيز على الأصل بدل الفروع، فالأحزاب تتغير، وتناوبُها على تسلم زمام هامش السلطة المتاح حاصل، فهل من المعقول ألا يمُر منها وفيها رجل رشيد يُعَدّل ويقوّم من يوم استقلال البلد؟ أم أن الخلل -جُل الخلل- في "الثابت" اللامتغير مهما تغير الناس وتجددت النخب؟

إن الإغراق في تسفيه الأحزاب السياسية لم يكن ولن يكون طريقاً نحو الصلاح والإصلاح، لا سيما إن كان النقد صادراً عمّن تورطوا في تكريس البؤس وزرْع العبث وإفساد السياسة. كما أن التبخيس من قدر المنتخبين ورفع قدر المعيّنين والمقرّبين وحمَلة الرُّتب لن يزيد العامة إلا كفراً بالسياسة وابتعاداً عن الشأن العام. ولن يزيد الرافضين والغاضبين إلا اقتناعاً بلا جدوى السياسة والإصلاح في ظل نظام يُكرس العبث، وسيستحيل المهادنون صِداميّين والإصلاحيون ثوريين والمتفائلون عيدان ثقاب.

فليفهم النظام أنه يشعل النارَ في تلابيبه بلعنة أبناء الشعب، وليفهم الشعب أنه بلعنة نُخبه إنما يلعن في الحقيقة نفسه، فالضلع الأعوج يُقوَّمُ ولا يُبتر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.