المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس زراري Headshot

مجتمع مريض للحد الذي لا حَدّ له

تم النشر: تم التحديث:

للأسف في حياتنا اليومية أصبحنا نرى مظاهر وأشياء في كل الأمكنة أقل ما توصف به أنها تبعث على الرغبة في الهروب بعيداً من سوداوية الوضع الذي يزداد قتامةً كل يوم أكثر، ولا يطرق نواقيس الخطر؛ لأنها طرقت منذ زمن حتى سقطت وسط ركام ما أصبحنا عليه من تناقضات وأمراض مجتمعية خطيرة ومزمنة بقدر تناقلها بين أجيال تتعايش معها دون مستوى تثقيفي وتوعوي، يكون لدى الأفراد المناعة الكافية للتصدي للفيروسات المتشكلة في طرق التفكير والتعامل وغيرها.

وحين أتحدث عن الوعي والثقافة، فلا أتحدث عن التعليم الذي هو في الأصل تسبقه التربية؛ لذا نجد في الكثير من الأوقات أشخاصاً يمكن وصفهم بالمتعلمين الحاصلين على شهادات ومراتب عليا لا يصلون لأدنى مستويات التحلي بالفكر السليم المستنير الراقي.

في حين أنك قد تجد أناساً غير متعلمين تجتمع فيهم أحسن الصفات؛ لذلك فحين نطالب بتحسين مستوى التعليم فبالأساس جانبه التربوي كوننا أصبحنا نفتقد أبسط القيم الإنسانية.

فما جدوى جيل متعلم متجرد من أبسط أساسيات الجانب الأخلاقي؟

التربية هي الدواء لعلة مجتمعاتنا، ومكان اكتسابها يوجد في كل مكان وليس المدارس فحسب.

لقد أصبحنا مجتمعات تهتز بسبب قُبلة ولا تهتز لموت الناس جوعاً وبرداً، مجتمعات تبحث عن فضائح الغير لممارسة هواية القيل والقال وإصدار الأحكام المسبقة، فقط ألقوا نظرة على الفيديوهات الأكثر مشاهدة في بلداننا لتروا ما يثير اهتمام الكل، فقط ارجعوا لنتائج الكلمات الأكثر بحثاً في جوجل أو في فيسبوك عبر الخاصية التي أتيحت منذ عدة أيام لتشاهدوا كيف أننا مجتمع منافق مريض!

فحين تسمع حديث الناس في التجمعات، أو تقرأ التعليقات على بعض الحوادث في مواقع التواصل الاجتماعي ستجد العديد من الفتاوى والأحكام المسبقة المريضة والتشهير بأشياء لا تخصهم لا من قريب ولا بعيد، وأغلب هؤلاء لو دققنا في يومياتهم لوجدنا أشياء ربما أفظع وأكثر ضرراً!

الأحرى بنا أن نغيّر اتجاه أسهم ملاحظاتنا ونظراتنا من الغير نحو أنفسنا، فالكمال لله، ولا أحد معصوم من أشياء تصيب الغير، فلقد أصبحنا أمةً تعشق الفضائح، تشدها العناوين التي تبتدئ بعبارات مثل "شاهد قبل الحذف" وغيرها، بل ترى الصفحات والجرائد الإلكترونية المتخصصة في مثل هذه المواضيع تحظى بملايين المتابعين، ولا لوم عليها، فهدفها ربحي قبل أي شيء، اللوم على مَن جعلها ترى النجاح في البحث في عورات الناس.

نحن مجتمع تافه مريض ومنافق بشتى المقاييس، نعم، ولن أعتذر على صراحتي لأن الأمر يحتاج لكلمات أكثر قسوة، والتي بدورها لن تغير في الأمر شيئاً كوننا سنستمر في تبادل أصابع الاتهام التي يجب أن تتوجه نحو أنفسنا.

وللأسف، لا أرى أبداً من الزمان كافياً لتغيير شيء ما دامت عدوى أمراضنا تنتقل بين الأجيال دون إجراءات للحد منها، فيا ليت دولنا تحاربها مثلما تتخذ إجراءات صارمة لمحاربة وباء ما والتصدي له؛ لأن هذا أعظم وباء ابتلينا به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.