المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس كحال Headshot

الجمهورية السويدية العربية الديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:

عُرفت مملكة السويد في تاريخها الحديث بأنها كانت دائماً دولة على الحياد، لكن في الحقيقة هذا الحياد كان في بعض الأحيان على الورق فقط أو على الواجهة، أما على أرض الواقع فكانت أشياء أخرى وكانت مصلحة السويد هي الأولى، كما وقع إبان الحرب الباردة حيث كانت تدعي الحياد، لكنها واقعيا كانت منحازة للولايات المتحدة الأمريكية.

وللأمانة العلمية لا أحد يلومها على ذلك، من حقها أن تظهر نفسها كدولة ديمقراطية وهي بالفعل كذلك. لكن ليس من حقها التدخل في شؤون غيرها وخلق البلبلة في دول تربطها معها علاقة سياسية واقتصادية متينة، من أجل قضية تجهل عنها الكثير، وتتعامل معها بمقاربة الكيل بمكيالين قد يكون لها تأثير كبير على علاقتها مع بعض هذه الدول، لا لسبب ما سوى أنه أقحمها فيها أطراف سويدية وأخرى خارجية دون أن تحسب لتلك المغامرة السياسية حسابها.

ماذا كان سيكون رد فعل بل وتعامل مملكة السويد العظيمة الديمقراطية لو أن جهة ما خارجية مولّت جهة ما داخلية... من أجل خلق كيان مستقل داخلها؟ مع أن التاريخ والجغرافيا يقولان إنه لا يمكن ذلك، هل ستسمح المملكة الديمقراطية ببتر جزء منها إرضاء لأطماع خارجية، أم ستتشبث بجميع أوصالها خصوصاً في زمن يسعى الجميع فيه إلى التكتل؟

ما تنوي مملكة السويد القيام به، وهو الاعتراف بجمهورية وهمية كانت نتاجاً لفبركة قام بها بعض القادة في لحظة تاريخية معينة، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، يعد ضرباً للديمقراطية التي تنادي بها، فهي لم تستطع ولن تستطيع مثلاً أن تعترف بانفصال كاتالونيا عن إسبانيا نزولا ًعند رغبة الكاتالونيين وضدا على رغبة باقي الشعب الإسباني، لماذا؟ لأن هناك انتخابات وهناك قوانين تمنع ذلك، ورغم أن رغبة الكاتالونيين واضحة وتمشي في هذا الاتجاه، إلا أنه لا أحد باستطاعته القفز على الجميع والذهاب قدما بالاعتراف بجمهورية كاتالونيا، وكذلك الشأن بالنسبة للمغرب، لا تستطيع السويد أو جهة ما في السويد أن تقفز على الأوضاع وتحاول الاعتراف بكيان لا يملك من التاريخ ولا الجغرافيا أي حق سوى أن هناك من صنع اسماً وهمياً ووجد من يموّله من أموال شعب يرزح تحت الأزمة، بينما جنرالاته وقادته ينفقون بسخاء على صناعة وهم في المنطقة اسمه الجمهورية العربية الصحراوية، وكأن هذه الصحراء ليست جزءاً من دولة مستقلة اسمها المملكة المغربية، وكأن ذاك الشعب الصحراوي لا ينتمي للشعب المغربي.

كيف الحال بمملكة السويد لو أن دولة جارة لازال يعشش في مخها وهم قديم ونزعة إلى خلق المشاكل في المنطقة، قامت ومولت وغررت بأناس من هنا وأناس من هناك وقاموا بالمطالبة بالانفصال عن المملكة وإنشاء كيان اسمه الجمهورية السويدية العربية الديمقراطية، هل كانت تقبل بأن يعترف المغرب أو أية دولة أخرى بهذا الكيان؟

لقد عمل المغرب منذ خلق هذا الكيان على سلك السبل التي تعمل على فض هذا المشكل بمنطق لا غالب ولا مغلوب، وكان آخرها مقترح الحكم الذاتي الذي بدأ بتنزيله على الأرض الواقع، لكن طرفا وراء ذلك الكيان المزعوم لا يريد حلا لهذه القضية، لأنه يستفيد من ورائها، فعوض الاهتمام بأمور بلاده وتحسين معيشة شعبه وتجسيد الديمقراطية في نظامه أولا راح يبحث عنها بوضعها اسما في كيان خلقه من أجل تعطيل كل مشاريع التنمية داخل بلده وداخل المنطقة التي يعيش فيها، فلن تستطيع جعل أي دولة ديمقراطية بكتابة كلمة "ديمقراطية" بجانب اسمها.
لقد بعث المغرب إلى السويد بدبلوماسييه وسياسييه.. لشرح وجهة نظر المغرب في مسألة الاعتراف بجمهورية مزعومة، وحسب آخر تصريح لوزيرة خارجية السويد التي قالت إنها ترحب بالوفود المغربية لتناقش معهم تلك القضية، كان أولى أيضاً بمملكة السويد أن تبعث دبلوماسييها وسياسييها إلى المغرب قبل الإقدام على مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب، وقبل الإعلان عن نيتها بالاعتراف بقضية لازالت مطروحة على مكتب الأمم المتحدة ولازالت عرضة للنقاش.

بعيداً عن نظرية المؤامرة، ألا يحق لنا التساؤل: لماذا نجد من يدعم النزعة الانفصالية في الدول العربية والإسلامية فقط ولا نجدها في مناطق أخرى؟ السودان قسم، العراق يقسم، سوريا في طريق التقسيم، فلسطين قسموها أعطوا الكعكة الكبرى لإسرائيل، وما تبقى منها قسموه بين فتح وحماس، تركيا مزروع في خاصرتها مشروع انقسامي، المغرب كذلك...

وجميع الدول الأجنبية تدلي بدلوها في مسألة التقسيم، لكن عندما يتعلق الأمر بدولة أوروبية وتنتمي للاتحاد الأوروبي كإسبانيا مثلاً، فالجميع يبتلع لسانه ويحجم عن الخوض في أمور داخلية تخصّ دولة مستقلة وعضو فاعل في الاتحاد الأوروبي، أما الدول الأخرى فهي مشاع وبإمكان الجميع أن يتدخل في شؤونها، ويلقّنها دروس الديمقراطية المفصلة على المقاس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.