المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس كحال Headshot

أسباب فوز حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات

تم النشر: تم التحديث:

وأخيرا وضعت الانتخابات أوزارها في المملكة المغربية، وارتاحت الشوارع من صياح أنصار هذا الحزب ومن أنصار ذاك، وعادت الطرقات و الأزقة لحالتها الطبيعية بعدما كانت جلها مغطاة بأوراق الحملة الانتخابية وكأنها هي التي ستصوت على المرشحين وليس المواطنين. مرت الانتخابات بسلام وظهرت النتائج التي فاجئت البعض، بحث أنه لم يكن من المنتظر أن يحقق حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية ذلك الفوز الكبير، فبالرغم من حصوله على المرتبة الثالثة إلا أنه ضاعف عدد المقاعد التي حصل عليها في آخر انتخابات جماعية أكثر من ثلاث مرات، ويأتي هذا الفوز و هو يرأس الحكومة المغربية أي أنه هو الحزب الحاكم وكانت العديد من الجهات والعديد من المراقبين يتنبأون بتراجع مكانته نظرا للمؤشرات التي تدل على أن شعبيته تآكلت بالرجوع للقرارات اللاشعبية التي اتخذها كحزب يقود الحكومة ونظرا للحملة الإعلامية و السياسية التي قادتها بعض الجهات ضده.

في خضم كل هذه الإشكالات كيف نجح حزب العدالة والتنمية رغم تلك الظروف؟ وماهي الأسباب التي ساعدت في نجاحه، بل اكتساحه لعدة مدن مغربية؟

تقلد حزب الإسلاميين زمام حكومة المملكة في ظروف استثنائية، إذ جاء فوزهم في خضم صراع كبير كانت تعيشه عدة دول عربية ومن بينها المغرب هذه الفترة التي أطلق عليها إعلاميا فترة الربيع العربي، خرج ملك المملكة محمد السادس في خطاب غير مسبوق و أمر بإجراء انتخابات مبكرة و تغيير دستور البلاد، جرت الانتخابات إلا أنها ستحمل حزبا كان مستبعدا أن يصل إلى ما وصل إليه دون ذاك الربيع العربي ودون خروج شباب ماسمي بحركة 20 فبراير/شباط فتوارت بعض الأحزاب التي كانت تعد العدة لتسلم مقاليد حكم البلاد لأن الانتفاضات بالشوارع آنذاك كانت تطالب بابعادها عن المشهد السياسي، وبالفعل هذا ماكان ( مؤقتا ).

اجريت الانتخابات التشريعية وحصد حزب العدالة و التنمية أكبر عدد من الأصوات و بين صباح ربيع عربي ومسائه أصبح أمينه العام هو رئيس الحكومة المغربية واستلم زمام الأمور، وهنا ستبدأ قصة صعود حزب ذو مرجعية إسلامية في منطقة تغلي بالأحداث.

لم تستسغ العديد من الجهات هذا المعطى الجديد و حاولت بعد هدوء عاصفة ماسمي بالربيع العربي أن تستعيد مكانتها وتسحب البساط من تحت لحية حزب وصل إلى سدة الحكم في غفلة من التاريخ، وبدأت الأحداث تتوالى، بعد إزاحة جميع الأحزاب الإسلامية من الدول المجاورة والتي جاءت بها هي الأخرى رياح الربيع العربي، أصبح رأس حزب الإسلاميين في المغرب مطلوبا، حاول عبد الإله بنكيران في البداية مد يده لجميع الأحزاب وطلب منها مساندته خصوصا الأحزاب الوطنية العريقة كحزب الاستقلال و حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكن هذا الأخير رفض عرض كبير الإسلاميين في المغرب والأول سرعان ما انسحب في خطوة غير متوقعة من التحالف الحكومي بعدما أصبح على رأسه أمين عام جديد هو السيد حميد شباط، وهنا سيدخل المغرب مرحلة جديدة من الصراع بين حزب العدالة والتنمية وعدة جهات كما سماها أمينه العام بالتماسيح والعفاريت.

بدأت الضربات تتوالى على حزب تريد جهات عديدة رأسه، وبدأت حرب إعلامية كبيرة عليه تقودها أحزاب معارضة و إعلام وجه مدفعيته كلها في اتجاه هدم قلعته، منابر إعلامية و إلكترونية شغلها الشاغل حزب العدالة والتنمية، جرائد ورقية مادتها من أول صفحة إلى آخر صفحة حزب الإخوانيين كما يحلو للبعض مناداتهم و همزا ولمزا بأنهم ينتمون للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. تعرضوا للقصف رغم أنهم لايسيرون الحكومة وحدهم بل هناك أحزاب أخرى معهم، إلا أن حصة الأسد من الهجومات كانت على وزراء العدالة والتنمية. كل هذا من أجل إضعافهم و إنهاكهم إعلاميا وتوجيه الرأي العام ضدهم، وبالفعل هذا ما كان لكن بنسبة ليست كبيرة، بالإضافة إلى عدة قرارات اتخذها الحزب الحاكم كانت في غير صالح المواطنين خصوصا الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة وعدم قدرته على القضاء على الفساد كما وعد في برنامجه الانتخابي.

كل هذه الأشياء وغيرها كانت تدل على أن حزب العدالة والتنمية بدأت شعبيته تتراجع و تم تأجيل الانتخابات الأخيرة عدة مرات من طرف بعض الأحزاب المعارضة حتى يتسنى إجراء انتخابات في ظروف تكون فيها شعبية الحزب في الحضيض، وبالفعل، أجريت الانتخابات في ٤ شتنبر/أيلول وكان رهان الجميع أن حزب العدالة والتنمية انتهى وأن ورقته احترقت وحان وقت قطف النتائج، لدرجة أن أمين عام حزب الاستقلال خرج غير ما مرة وأكد بأنه سيقدم استقالته على الفور إذا لم يحتل حزبه المرتبة الأولى.

في ظل هذه الظروف و الأحداث جرت انتخابات ٤ سبتمبر/أيلول واحتل الحزب الإسلامي المرتبة الثالثة، التي ستمكنه من تسيير مدن كبيرة كالدار البيضاء، مراكش، طنجة وفاس ... كما تم احتل الحزب المرتبة الأولى على صعيد الانتخابات الجهوية وهي تجربة جديدة يخوضها المغرب لأول مرة، ويراهن حزب الإسلاميين في المغرب على هذه المدن التي احتلوا فيها الصدارة وبأغلبية مريحة من أجل تنزيل مفهومهم لسياسة القرب التي كانوا دائما ينادون بها، والتي يراهنون من ورائها على جلب أصوات جديدة لحزبهم في الانتخابات التشريعية المقبلة. حاز حزب العدالة والتنمية تلك المرتبة رغم كل ماذكرته وكل المضايقات التي عانى منها ومن الحرب الإعلامية ضده ومن بعض قراراته اللاشعبية، فما تفسير كل ذلك؟.

حزب العدالة والتنمية يعترف له خصومه قبل حلفائه بقوته التنظيمية و مراهنته على وجوه تربت داخل حزبه و هو لايلجأ إلى الاستعانة بوجوه خارج الحزب إلا عند الضرورة القصوى ويتحرى في ذلك أن تكون لتلك الوجوه سمعة طيبة وهذا سر من أسرار قوته، عكس بعض الأحزاب التي تستعين بأي كان من أجل الظفر بمقاعد انتخابية ولايهمها سمعة المرشح أو تاريخه، وقد شكل هذا في رأيي سببا من أسباب إخفاق هذه الوجوه في إحراز أصوات كثيرة، بالإضافة إلى معطى جديد عرفته الساحة السياسية المغربية في هذه الانتخابات، وأعتقد أنه سيكون له تأثير على الانتخابات التي ستجرى في المغرب من الآن فصاعدا، وهو أن المواطنين المسجلين في اللوائح الانتخابية صوتوا بكثرة على أشخاص لم يستعملوا المال الحرام الذي كان له فيما مضى تأثير كبير على مجريات الانتخابات، كما أن الملاحظ في هذه الانتخابات أنها رغم استعمال المال فإن المواطنين صوتوا تصويتا عقابيا، إما على بعض الأشخاص الذين عمروا في كراسيهم ولم يقوموا بأي شيء للساكنة سوى الاغتناء من وراء مناصبهم، وإما على أحزاب لازالوا يرون أنها سبب المشاكل التي يعيشها المغرب منذ الاستقلال، وأنها لم تقم بإصلاح الأوضاع عندما كانت في الحكم حتى قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية ودخوله معترك الحياة السياسية، وهذا ماجعلها تحرم من عدة أصوات، زد علىذلك الفضائح المالية والسياسية التي تورط فيها بعضهم. بالإضافة إلى هذا فأحزاب المعارضة استنفدت قوتها في معارك هامشية مع رئيس الحكومة الذي يتقن هذه اللعبة أكثر من غيره وكانت تصب في مصلحته دائما، فعندما يطلب أمين عام حزب الاستقلال من بنكيران أن يوضح علاقته مع داعش ومع الموساد مرة واحدة فهذا يكسب رئيس الحكومة قوة تجاه كلام غير محسوب ولامعنى له، أو عندما يريد أمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي مناكفته و يعزف على وتر حساس لدى المغاربة ويطالب بتعديل الإرث فهذا يعود بمفعول عكسي داخل مجتمع مسلم رغم ماتبدو عليه من مظاهر الحداثة إلا أن فئة عريضة منه لاتقبل التطاول على مقدساتها، وهذا هو نفس الخطأ الذي وقع فيه حزب آخر من المعارضة وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي استضاف سيد القمني في المغرب وأقام له محاضرة رأى كثير من المغاربة أن فيها تطاولا على مقدساتهم و على رأسها دينهم وإمارة المؤمنين، وهذا مالم تستوعبه الاحزاب المعارضة، فهي عندما ترفع شعار مايسمى بالحداثة أو العلمانية أو غيرها من قبيل هذه المصطلحات فهي لاترفعها في وجه حزب إسلامي فقط، فهي تتناسى أن المجتمع المغربي مجتمع محافظ رغم كل شيء وبالتالي فالمغاربة يميلون إلى حزب يرون أنه يمثل قيمهم ويحافظ عليها. بالإضافة إلى كل ماذكرت هناك معطى مهم ساهم في فوز العدالة والتنمية وسيساهم مستقبلا في فوزها مالم تتداركه الأحزاب المعارضة، وهو أن الأمناء العامون للأحزاب المعارضة وأخص بالذكر حزب الإستقلال، حزب الإتحاد الاشتراكي، حزب الأصالة والمعاصرة يقومون بدعاية كبيرة من حيث لايدرون لحزب العدالة والتنمية، فالهجوم المتواصل على بنكيران وحزبه وإرادة استئصاله من المشهد السياسي تدفع بهؤلاء إلى الهجوم بطريقة عشوائية خصوصا وأن هذه الأحزاب تعيش مشاكل داخلية منذ تربع أولئك على رأس أمانة أحزابها، بل هناك الآن من يطالب باستقالتهم أو إقالتهم لأنهم سبب فشل أحزابهم . قضية أخرى ساهمت في فوز العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، التنظيم الجيد و الحملة النظيفة التي قادها الحزب على جميع المستويات، ففي حين كانت شوارع المملكة تعج بأوراق الحملة الانتخابية لباقي الأحزاب طلب الحزب من مناضليه الذين يخوضون الحملة بأن يحرصوا على عدم رمي أوراق وملصقات الحملة على الأرض، وهذا ساهم في إعطاء نظرة إيجابية على الحزب. كما أن الحزب حسب علمي لم يعتمد على أشخاص خارج مناضلي الحزب في حملته الانتخابية، عكس باقي الاحزاب التي سخرت شبابا وشيوخا ونساء مقابل المال للعمل معها في هذه الفترة وبالتالي كانت هناك تجاوزات وإساءات للحزب الذي وظف هؤلاء، لأن الذي يعمل مقابل المال لاتهمه إلا أجرته بينما المناضل داخل الحزب تهمه صورة حزبه، وهذه من التفاصيل التي لا تنتبه إليها باقي الأحزاب وتلتجئ إلى خدمات أناس خارج الحزب حتى تستطيع تغطية منطقتها الانتخابية وذلك راجع لقلة المناضلين والأطر لديها.

بنكيران أمين عام الحزب، لعب دورا كبيرا وكبيرا جدا في فوز حزبه، حاولت بعض المنابر الإعلامية التأثير عليه والحد من حركاته، بتذكيره بأنه رئيس حكومة وأن عليه الاهتمام بأمور الدولة لكن ذلك بم يؤثر عليه، فأقام مهراجانات خطابية في أغلب المدن المغربية وهو الشيء الذي لم يستطع أي أمين عام من الأحزاب الأخرى القيام به، فكانت نتائجه إيجابية ولم تنفع معه هجوم بعض وسائل الإعلام في محاولة التشكيك في مصادر حملته الانتخابية والطائرة التي استعملها في تنقلاته، حيث أن الحزب أشهر في وجه خصومه فاتورة تنقلات أمينه العام، وهذا يحيلنا على معطى آخر ساهم في نجاح الحزب، هو نظافة يده إلى حد الآن، فرغم أن الجميع يقولون بأنه اتخذ قرارات أثرت على فئات واسعة من المجتمع وأن حصيلته على المستوى الاجتماعي كانت ضعيفة، إلا أنه لحد الساعة لم يثبت في حق أي وزير من وزراء حزب العدالة والتنمية أن اختلس أو أي شيء من هذا القبيل. نجاح الحزب الإسلامي في هذه الانتخابات يعود أيضا إلى فساد وسوء تسيير العديد من الأشخاص الذين كانوا على رأس العديد من المدن خصوصا تلك التي حصل فيها الحزب على أغلبية مطلقة، فكانت فرصة للتخلص منهم والتصويت كان في هذه المدن عقابيا أكثر منه من أي شيء آخر، كما أن الحزب قدم مرشحين ذووا كفاءات وشهادات عالية وهذا شيء تفاعل معه الناس، حيث لم يعد يستسيغوا وجود رجال على رأس مدنهم أميين أو مستواهم الدراسي هزيل.

هذه بعض الأشياء التي جعلت حزب العدالة والتنمية يحصل على مرتبة مهمة خصوصا في المدن ويهزم منافسيه، هي نقط ربما يستفيد منها خصومه ويعيدوا حساباتهم إذا أرادوا سحب البساط من تحت أرجله و إيقاف تمدده، في المقابل هذا الحزب يعرف أنه يخوض معركة شرسة ولايقبل فيها بالخسارة، لذلك أرى أنه سيعمل مابوسعه للحفاظ على مكانته وذلك بالعمل خصوصا وأن هذه الانتخابات تسمى بانتخابات القرب لتأثيرها المباشر على السكان، وهنا أعتقد أن حزب الإسلاميين سيحاول تكرار تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في هذا الباب، وإن كان مسارهما مختلف، فحزب العدالة المغربي نجح في انتخابات تشريعية ثم انتقل إلى الفوز في انتخابات جماعية و جهوية، و حزب العدالة التركي بدأ بالانتخابات البلدية ليصل إلى الانتخابات الرئاسية بعدما جمع رصيدا محترما من طرف ساكنة البلاد. لذلك مطلوب من حزب الإسلاميين في المغرب العمل وفي أقرب وقت ممكن على تغيير ظروف ساكنة المناطق التي فازوا فيها وإحساس المواطن بالتغيير في أقرب وقت ممكن، و إلا فالانتخابات التشريعية التي لم يبق عليها سوى سنة تقريبا ستعرف هي الأخرى تصويتا عقابيا لكن هذه المرة ضدهم، والأكثر من هذا سيفقد المواطنون الذين لازال لديهم أمل في التغيير كل ثقتهم بالسياسة والسياسيين، وآنذاك سيدخل المغرب مرحلة عزوف عن التصويت أكثر من الآن وتخلو الساحة للانتهازيين و أصحاب المصالح وأصحاب الأموال ويفقد قطار المغرب سكته بعدما كان يسير في الاتجاه الصحيح و إن ببطء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.