المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس بورنان Headshot

"البلادة الإعلامية".. بين حفرة بن عكنون السعيدة وحفرة الغابون التعيسة

تم النشر: تم التحديث:

كيف لنا أن "نهزم" اليابان (ثالث اقتصاد عالمي) في "كأس العالم لردم الحفر" ونعجز عن التأهل للدور الثاني من كأس أمم إفريقيا؟!

تساؤل مجنون نفسياً ومشروع إعلامياً في زمن الجنون الإعلامي، وهذا ما يحدث مع بعض الفضائيات الجزائرية التي ما زالت تحاول، منذ انفجارها فضائياً، ودون ملل، أن تُقنع المشاهد بأن كل مجنون مرغوب، ومنها من يحاول (على ما يبدو) إقناع الأميين والمتعلمين بأن الواحد زائد واحد لا يساوي اثنين.

ولإثبات ما لا يُثبَت (أي ما ثبُت إعلامياً ولا يُثبت رياضياً)، نستحضر تغطية أول قناة إخبارية في الجزائر لأسرع عملية ردم حفرة في العالم، وتغطية الوسيلة الإعلامية نفسها الخروج السريع للمنتخب الوطني لكرة القدم من كأس أمم إفريقيا.

ولتكن البداية من التغطية الإعلامية "الاحترافية وغير المسبوقة" -كما سمتها قناة "النهار"- لحفرة بن عكنون، والتي جعلتها تتلقى التهاني وتستقبل الوفود (التي لم تُحرِك مشاعرها خطورةُ تلك الحفرة، لكنها تزلزلت لتغطية "النهار" لها)، حيث كانت التغطية "مباشرة ومتواصلة"، "وتحولت إلى الخبر الوحيد في القناة الإخبارية"، رغم وجود عدد من الحفر ومن الكوارث في مختلف مناطق الوطن، لكن حفرة بن عكنون كانت الأكثر حظاً، حيث حَوّلت قناة "النهار" الحفرة وردمها إلى نجاح وعبقرية ومعجزة ودليل رقي وتقدم البلاد والعباد، "متناسية" أن في ظهور تلك الحفرة وفي ذلك المكان بالذات خطراً كبيراً ومسؤولية كبيرة يتحملها عدد من المسؤولين، ومن ثم وجب كشفهم ومعاقبتهم.

فتلك الحفرة التي "صرعوا رؤوسنا بها"، هي من بين الأدلة فقط التي تؤكد تنفيذ كثير من المشاريع بطريقة "كعبر وأعطِ لعْور" والتي يدفع ثمنها في كل مرة المواطن، سواء كانت طرقاً أو بنايات أو غيرها، ومع كل هذا لم تطالب القناة ولا ضيوفها "المختارون بدقة" بمحاسبة المتسببين في إهدار المال العام؛ بل نجحت في "ردم فضيحتهم" كما نجحوا في ردم تلك "الحفرة السعيدة".

وعن تغطية القناة لمشاركة المنتخب الوطني (المُقصى) في نهائيات كأس أمم إفريقيا التي تجرى في الغابون، حيث كانت مختلفة عن الأولى: "فلا مباشر ولا مُسجل ولا صور"، لكنها نَقلت "مواقف صارمة وصادمة وعلى المباشر" عن المشاركة المخيبة للخضر وإخفاقهم في التأهل إلى الدور الثاني. وتذكرت القناة هنا "وبعناوين مختارة وبضيوف مختارين": "إن وراء كل إخفاق مسؤولاً يجب معاقبته أو عزله"، حينما دعت صراحة إلى إقالة رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم محمد روراوة، وتحميله المسؤولية الأولى والأكبر عن هذا الخروج المبكر. والأكثر من كل هذا، اتهامها اللاعبين بإهانة العَلم الوطني والوطن، ومن ثم فهم المسؤولون عن "الأربعين مليون حفرة تعيسة في قلوب الجزائريين".

من التغطيتين السابقتين، لا يمكن إلا استخلاص بعض السلبيات التي تنخر مهنة الإعلام في بعض القنوات التليفزيونية، لعل أهمها:
أولاً: أن هناك إعلاماً "يحفر على مصلحته ولو في حفرة مسؤول"، أو أن "يردم الحقيقة الكبرى بــالحقيقة الصغرى ولو برفع العَلم".

ثانياً: (على ما يبدو)، فقد غيرت الحسابات الحُول (جمع أحول) في عالم الإعلام "النتائج البديهية" في علم الرياضيات، خاصة عندما يختلط الرقم السياسي بالرقم الرياضي، فيصبح الواحد زائد واحد يساوي ثلاثة، وهذا ما يعني قوة واحد منهما على الواحد الثاني، وما هي في الحقيقة إلا قوة السياسة على الإعلام وقوة الإعلام على الرياضة وقوة المصالح على الجميع في زمن "البلادة الإعلامية".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.