المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يونس بورنان Headshot

العرب يتقدمون إلى الوراء!

تم النشر: تم التحديث:

قَدَر العرب أصبح محتوماً بأن يتحسروا في كل حاضر على ماضٍ، وهم الذين يتنقلون بين ماضٍ وحاضر من السيئ إلى الأسوأ، فأصبح السيئ بمثابة النعمة التي لم تحُمد فزالت، لينزل عليهم بلاء الأسوأ.

مع بداية ما يعرف بـ"الربيع العربي"، توقع أكثر المتشائمين العرب أن تتحول بلدانهم إلى جنات على الأرض، وأكثر المتفائلين تنبأوا بأن يهجر الأوروبيون بلدانهم سراً إلى بلاد الجنة الجديدة للأرض، وأن تتوسل بقية الأمم رضا العرب، بل طمعت وحلمت الغالبية المتحمسة في منصب عمل وحرية رأي ومنزل ورصيد في البنك، لكن التحول المفاجئ وغير المفاجئ الذي حصل في جو ربيع العرب، من شمس ساطعة أسقطت الأنظمة إلى فيضان جارف يقارب على تغيير الشعوب، جعل من معارضة الأمس مؤيدة وموالية لمن كانوا بالأمس، والمتشائم اكتشف أنه كان نائماً في جنة، واستيقظ على كابوس، وامتلأت أوروبا وبحارها بالمتسولين للحياة، وفقد الطامع ذاكرته بحلم العمل والحرية والمنزل والمال، فتوقفت تلك الذاكرة عند "عاش الملك ومات الملك"، وعند أمن مشروط، وعمل مذلول، وحرية متوقفة عند الرغبات الجنسية أو الإعاقات النفسية، أو عند ضرب الزوجة أو كتابة تقرير جهنمي في حق زميل، وفي أحسن الأحوال مشاهدة مقابلة "مقرصنة" لكرة القدم مع علبة كاملة من السجائر، أو شيشة تحرق الصدر أكثر من الجمر.

وها هي شعوب عربية تُحاكَم "علناً" بتهمة "عدم الحمد والشكر مع سبق الإصرار والترصد"، عندما خرج بعضها مطالباً بـ"حق التغيير"، "فكان لها التغيير في أن تحولت يومياتها إلى قتل واقتتال ودم ودمار وصواريخ وطائرات وقنص وطائفية ومذهبية وداعشية وإيرانية وروسية وأميركية وفرنسية، وانفجرت السماوات المفتوحة بقنوات فضائية ومواقع إلكترونية "تُحلل وتُخلل"، و"تَحيد وتَنحاز"، و"تُحرم وتُحلل"، و"تنقل على الهواء وتنقل الهواء"، ومؤتمرات عالمية وإقليمية "للتباحث والتنابز"، "للتصافح والتقبيل"، "للقوي والضعيف"، "للجوار والجواري"، "وللفاعل والمفعول به"، ويبقى المفعول فيه يحن لفاعل مرفوع بالغدر أو القتل أو الخلع.

من أين نبدأ الحسرة وأين ننتهي؟

من العراق الذي صرخ نساء ورجال منه صرخة ندم على أيام صدام حسين، حين لم يكن في قاموس العراق مصطلح السني والشيعي والكردي والتركماني واليزيدي، أي حينما كان العرق العراقي الخالي من الأمية جاهلاً للطائفية والمذهبية.

أم تكون البداية من ليبيا التي تقول فيها كل جماعة مسلحة لكل جماعة مسلحة "من أنتم؟"، ولسان حال جماعات غير مسلحة يقول "أين أنتم؟!" و"أين نحن؟!" و"أين القذافي وأيام القذافي"؟!

هل نُنهي بتونس؟ التي خرج عدد من شبابها على فضائياتها يصرخ متوسلاً عودة زين العابدين بن علي وليس أيامه فقط، معتبرين أنهم "هرموا أكثر" بعد ثورة أخرجت أشواك الياسمين عليهم.


أم تكون النهاية من مصر؟

راح مبارك، جاء مرسي، راح مرسي، جاء السيسي، بقي السيسي، وبين من راح ومن بقي فقد كثير من المصريين راحة البال في ظل واقع اقتصادي واجتماعي ومعيشي فتح لهم شهية الترحم على "الأيام المباركة" لحسني مبارك.

بدأنا وقد لا نُنهي؛ لأن أيام اليمنيين والسوريين لم تدع لهم مجالاً للتحسر على أي شيء، مع مخلوع خَير اليمنيين بين وجهه "المُجمل من الحرق" أو أن يحرق اليمن بمن فيها، ومع أسد افترس الحجر والبشر، استنجد بأسود الفرس والروس، فكان له "وسام انعدام الشرف" بعدد القتلى والمهجرين واليتامى، عندما جعل من سوريا غابة للدول والتنظيمات المفترسة.

لن نُنهي؛ لأن شعوباً عربية أخرى ما زالت مع كل فشل تتحسر على رئيس سابق أو أسبق، وملك سابق أو أسبق، أو وزير سابق ووزير أسبق، أو حتى رئيس بلدية سابق وأسبق، أو "حتى" مدرب سابق وأسبق، ويدعون ألا يكون اللاحق كالحالي، ومع الأسبق والسابق والحالي واللاحق يكتشف العالم أن العرب أكثر الشعوب التي تقتنع بأي شيء، وبأي كان، فكيف لا وهي تقضي وقتها كلاماً في التحسر والتمني؟! وكيف لا وكلمات ومواضيع كل الدراما والسينما والأغاني ومواقع التواصل الاجتماعي العربية عن الحب وناره؟! والحقيقة أن النار هي التي أحبت العرب، وكيف لا والعرب "يتقدمون إلى الوراء"، في ظل عقدة النقص التي تحتل التفكير العربي، والتي منحت "الفرصة المجانية" للأنظمة الداخلية والخارجية "لتفكر عنها"، وحتى "لتحدد ماضيها وحاضرها ومستقبلها"، وبدل "التفكير" في الأحسن، يحن العرب للسيئ ويصبرون على الأسوأ.

عندما نبدأ الحديث عن بؤس العرب نتيه في كل رقعة، وفي كل رقعة نتيه في التفاصيل، ومع التفاصيل نكتشف أننا على مشارف أن ننتهي وليس أن نُنهي، وقد يكون هذا الواقع الأسود أكبر دليل على تيهان العرب في ظلام التحسر على الماضي، الذي بات علامة عربية مسجلة لهم وعليهم دون غيرهم، ومع كل تحسر يسجل تاريخ العرب فشلاً جديداً بقلم كتب رواية جديدة للبؤساء الجدد، إنهم العرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.