المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف جمال بكاكرية Headshot

الإسلام السياسي في الجزائر على هامش بروكرست

تم النشر: تم التحديث:

شكّلت مظاهرات 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988، التي نتجت عن تراكمات، إثر أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، منعرجاً حاسماً في تاريخ الجزائر المعاصر، فقد دفع الاحتقان الشعبي الرئيس الجزائري في ذلك الوقت الشادلي بن جديد إلى فتح مجال التعدد الحزبي والفكري والأيديولوجي، بعد أكثر من عشرين سنة من سياسة الحزب الواحد، الذي أعطى لنفسه الشرعية التاريخية للانفراد بالسلطة، فاتجهت جميع الأطياف الفكرية والأيديولوجية لتأسيس أحزاب تعبّر عن آرائها وتوجهاتها وفكرها ومنهجها في تسيير البلاد.

فكان من أبرز الأسماء الحزب الاشتراكي اليساري بقيادة المجاهد حسين آيت أحمد، وحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بقيادة عباسي مدني، الذي كان يتبنى الخطاب الديني في أطروحاته ومشاريعه، بدت الأمور في أولها عادية حتى عام 1992، فقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات البلدية، بالأغلبية وكان متجهاً نحو تحقيق فوز آخر في الانتخابات البرلمانية، قبل أن يلغى المسار الانتخابي، وتعتقل قيادة الحزب بتهمة التحريض على العنف؛ لتدخل الجزائر بعدها في نفق مظلم حتى حلول عام 1999.

وحتى لا يختل التوازن السياسي في تلك الفترة آثر مَن ألغوا المسار الانتخابي أن يترك العديد من الأحزاب الإسلامية الأخرى تنشط في حين حُلّت أحزاب أخرى كحزب أحمد بن محمد الجزائر المسلمة المعاصرة، ومن الأحزاب الإسلامية التي ظلت تمارس السياسة حركة مجتمع السلم الذي تركته السلطة حتى يكون حجة لها بأنها لا تحارب الإسلام بقدر ما تحارب من أساء استعمال الخطاب الدين وتبنَّى العنف.

ولم تقتصر الحياة السياسية في الجزائر على حركة مجتمع السلم أو حمس كما تسمى، بل نشأت العديد من الأحزاب مثل النهضة والإصلاح، وأحزاب أخرى انشقت عن حركة مجتمع السلم الذي تحوَّل على مدى أكثر من عشرين سنة إلى خمسة أحزاب، لكن كل هذا التواجد والنشاط أصبح يفقد أهميته مع مرور السنين، وإن كانت أهميته من الأول لم تكن بالحجم الذي كانت عليه الجبهة الإسلامية للإنقاذ بسلبياتها وإيجابياتها، وهذا ما آل مع مرور السنين إلى تواجد شكلي لجميع الأحزاب، خاصة في ظل نظام ديمقراطي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه شكلي بامتياز.

أضِف إلى ذلك دخول مثل هذه الأحزاب الإسلامية لمنظومة الحكم وقبولها بلعبة تبادل الكراسي، من خلال قيادات قبلوا أن يكونوا وزراء في نظام كانوا بالأمس من المعارضين لأطروحاته وأفكاره، وهذا ما أفرغ هذه الأحزاب من محتواها الأصلي، وأصبحت لا تمثل المشروع الإسلامي إلا عن طريق الشعارات التي تكتب على قوائمهم الانتخابية، وأيضاً تراجع أعمالهم الإصلاحية والتربوية في المجتمع، التي كانت تستثمر فعلاً في الفرد الجزائري.

ولهذا فإن الفرق بين الأحزاب الإسلامية الجزائرية اليوم والأحزاب الإسلامية في باقي الدول العربية هي أنها لم تقُم بمراجعات لا لأفكارها ولا لأطروحاتها، وهذا ما جعل الفرد الجزائري يفقد الثقة بها أكثر من فقدانه الثقة من بقية الأحزاب الجمهورية واليسارية، وهذا لاعتبار الأحزاب الإسلامية أساءت للدين أكثر من أن تخدمه، خصوصاً أن المنتمين لمثل هذه الأعمال ليسوا لا أصحاب فكر ولا أصحاب مستوى تعليمي عالٍ، بل أصبح الانتماء لمثل هذه الأحزاب وكأنه سعي للحصول على سيرة حسنة.

فالواحد منهم لا يعلم أن تبنيه الفكر الإسلامي في مساره السياسي سيُعرّضه لنوعين من المحاسبة: المحاسبة السياسية فيما يخص أداءه السياسي، والمحاسبة الثانية هي إلى أي مدى يستطيع تبنّي الإسلام في أطروحاته دون أن يدعي احتكاره ودون أن ينزلق نحو التطرف؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.