المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف جمال بكاكرية Headshot

الثالوث المقدس في الأدب العربي من محرّم إلى علامة تجارية

تم النشر: تم التحديث:

ألقي كل ما تعلمته في كتب الأدب والسرديات القديمة والحديثة، وأضرب بعرض الحائط معايير الكتابة الأدبية، من وحدات السرد الأربع الشخصيات والأحداث والزمان والمكان، وتذكر دائماً أن ما تعلمته بين جدران الجامعة والأكاديميات، عن أسس الكتابة الأدبية، عليه أن يبقى أين تعلمته فخروجه من هناك، وتوظيفه واقعياً سيضعك في خانة المهمَّشين والمغمورين طوال حياتك، فمعايير النشر والاهتمام قد تغيرت، فالنص الأدبي اليوم لا يشترط فيه أن يكون وثيقة تاريخية أو اجتماعية كما دعت له المناهج السياقية ولا يشترط فيه الأسلوب والألفاظ الجيدة،

كما دعا له الشكلانيون الروس، بل إن هناك مناهج جديدة تجاوزت حتى النقد الثقافي أحدث المقاربات؛ لترسم لنفسها نوعاً من الكتابة، بعيدة عن كل ما هو أكاديمي، أو ما هو فني جمالي وموضوعي، وشعارها الأوحد والأخير اكتب ما شئت، شرط أن يكون سبيلك نحو الشهرة العزف على أوتار الثالوث المقدس كما سمّوه "الدين، السياسة، الجنس".

فالرواية العربية كأحد أهم الأجناس الأدبية اليوم تجردت من كل ما هو أدبي، سواء إذا طبقنا عليها المناهج السياقية أو النسقية أو ما بعدهما كالنقد الثقافي، فما قضاه الروائيون العرب من خلق لهذا الجنس الأدبي منذ رواية زينب لحسين هيكل، والتأسيس له على يد عباقرة أمثال نجيب محفوظ، وجعل الرواية العربية جنساً أدبياً مستقلاً يختلف عن الرواية الغربية، ذهب أدراج الرياح، أمام مصالح بعض الكتاب الشباب الذين همهم الأول الشهرة والمال، بل إن الرواية العربية اليوم أصبحت أشبه بأفلام عادل إمام، نفس القصة ونفس النسق، ونفس الشخصيات، ونفس الأوصاف، أضف لها بعض البهارات الأدبية، من نقد لطرف سياسي، أو لديانة ما، أو تصوير لمشاهد جنسية، حتى تجنب نفسك الوقوع في الفشل،

وتضمن لعملك مشاهدة مع شبابيك مغلقة، والأكثر استفزازاً لنا كطلاب للأدب العربي همنا الأول البحث عن مادة أدبية جيدة صالحة للدراسة والمقاربة، هو عناوين تلك الروايات، التي في أغلبها عناوين تجارية فارغة من محتواها، أمثال أحببتك أكثر مما ينبغي، أو حبيبي داعشي، أو في قلبي أنثى عبرية، أو كن خائناً تكن أجمل، كلها عناوين لا تصلح إلا أن تكون عناوين لأفلام أو لتلك المسلسلات الرمضانية التي هدفها الأول استقطاب شركات الإنتاج والمستشهرين، وضرب قيم الأمة ومبادئها، أو بث سموم داخل عقل الفرد العربي،

أضف إلى ذلك انعدام أي رابط بين العنوان والمتن النصي، سواء رابط صريح أو رمزي ضمني، مما يجعلك تلقي الكتاب من بين يديك مع أول صفحتين منه، وتعتمد دور النشر بدورها على طريقة ناجعة للجلب القارئ وهي تلك الرسومات التي توضع على أغلفة الكتب، والتي تذكرنا عادة بأغلفة الألبومات الغنائية، لمطربي القرن الواحد والعشرين الذين لا صوت لهم ولا أداء، لكن حين تطلع للغلاف تخال نفسك ستستمع لصوت فيروز أو وديع الصافي.


إن ما تعيشه الرواية العربية اليوم هو احتضار بحد عينه؛ لأن المواصلة في هذا النسق من الكتابة السطحية والخالية من كل بعد ثقافي وموضوعي ستجعل روايتنا العربية تصبح أشبه بألبومات هيفاء وهبي أو إليسا، الغرض منها ليس تنوير العقول، بل الحد من قدرتها على التفكير من جهة، وجعل العقل المبدع الباحث عن الجودة الأدبية حبيس الأدراج، وغير مرغوب بتاتاً من أصحاب دور النشر؛ لأنه لا يمكنه تعويض مصاريف الطباعة والتوزيع، وعليه يصبح أسهل شيء في وقتنا أن تكون روائياً ناجحاً في ظل وجود مواقع تواصل اجتماعي تساعدك على بيع أوهامك للشباب، وتحريض جنس على آخر، بل أصبح الكثير اليوم يشتكي من نسب عبارات له،

وقد كان السبب الأول في انتشار مثل هذه الأفكار، كعداوة الرجل للمرأة وعداوة المرأة للرجل؛ لأنه علينا أن نقولها صراحة: إن أمثال هذه الروايات التجارية -إن صحَّ التعبير- بدأت مع رواية الأسود يليق بك للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، تواصلت فيما بعدها الإنتاجات الروائية التي تجسد فعلاً حالة انحطاط الوعي ومستوى التفكير لدى الفرد العربي عامة، والروائي العربي إن جاز تسميته بذلك خاصة.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.