المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف عادل حسن Headshot

استقالات تربوية جماعية

تم النشر: تم التحديث:

الأسرة هي المحضن الأول للطفل، يتلقى من خلالها ما يحتاجه من غذاء تربوي ورعاية صحية وجسمية، وهي مسؤولية تربوية تضامنية مفروضة على الأبوين، ارتضياها يوم اتفقا على إقامة الأسرة بالعلاقة الزوجية، ومن ثَم لا يحق لأيهما أن يقدم على استقالة شفوية أو مكتوبة يترك بموجبها تلك المهمة، ولم نشهد أحداً على وجه الأرض يفعل ذلك، ولو حدث فإنه سيكون موضع استهجان واستنكار شديدَي اللهجة من أفراد المجتمع.

لكن منطق الشجاعة التربوية مع أنفسنا يجعلنا ننظر للواقع الذي نعيشه، ونستنطقه إن كان يعرف استقالة من هذا النوع، والجواب لا يحتاج إلى طول نظر، فالواقع يثبت فعلاً بما لا يدع مجالاً للشك أن استقالة فعلية واقعية تربوية حدثت وتحدث وموجودة لا بصورة فردية فحسب، بل في صورة استقالات جماعية يزاولها أفراد المجتمع، بل المجتمع في مجموعه.
(طريق البناء التربوي الإسلامي - د/عجيل النشامي)

فلم يعد الآباء يفهمون من مهامهم تجاه الأبناء إلا مسؤولية المصروف والكسوة والأكل وتوفير أسباب الراحة، وحسبوا أنهم بذلك قد أدوا الأمانة، بينما هم مشغولون فيما عدا ذلك يقتلون أوقاتهم في المهام الإدارية والوظيفية ثم التجارية، ناهيك عن الأسفار والحل والترحال، فإن بقى في أوقاتهم رمق آخر النهار أجهزوا عليه في جلسات ربما فسادها أكثر من صلاحها، ثم يعودون آخر ليلهم ليجدوا أبناءهم في نوم عميق، ويصبحون والأبناء في مدارسهم، وهكذا.. ولربما مضت أيام دون أن تقع أنظار الآباء على أبنائهم.

ولربما يقول قائل: إن التربية هي دور الأم في الأساس، ففي ظل ما نحياه من ظروف اقتصادية طاحنة تستنزف مجهود الآباء وأوقاتهم لتأمين حياة كريمة لأسرهم، لا يمكننا أن نطالبهم فوق ذلك بالتفرغ لتربية الأبناء، وصار البعض يقولون: إما أن نطعمهم أو نربيهم!

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع وجهة النظر هذه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تقوم الأمهات بذلك الدور؟ لنعُد للواقع مرة أخرى، إن تلك الظروف الاقتصادية نفسها، والمظهرية الاجتماعية التي غرقنا فيها، والكماليات التي صارت من الأساسيات التي لا غنى عنها، اقتضت من الأم أيضاً الخروج من العمل ساعات طويلة تقضيها بعيداً عن الأبناء، ونسيت دورها الأساسي كأم، ونسيت احتياجات أبنائها النفسية والعاطفية.

ولربما خفت وطأة معاناة الأبناء إذا قامت المؤسسات الأخرى المنوط بها مسؤولية تربية الأجيال بدورها، وهي المدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام.

يقضي الأولاد معظم يومهم في مدارسهم، يتلقون مختلف المعارف والعلوم بطريق التلقين، تملأ عقولهم الصغيرة بمعلومات ومقررات قلّ ما يتصل منها بواقعهم، أو ينمّي شخصياتهم ومهاراتهم وقدراتهم وأساليب تفكيرهم، أو يعدهم للحياة إعداداً صحيحاً، وصار الطفل مجرد متلقّ سلبي غير مشارك، كل هدفه النجاح في الامتحان آخر العام، ثم تنتهي علاقته بكل ما تعلمه، لتبدأ سنة دراسية جديدة تتكرر فيها تلك المأساة مرة أخرى؛ استقالت المدرسة هي الأخرى من دورها التربوي، بل ربما أضحت وسيلة لاكتساب عادات وسلوكيات مزرية، وانضمت إليها دور العبادة وصارت مجرد أماكن لأداء الصلوات، أو لتكريس البغض والمشاحنات، واقتصر دورها التربوي في إلقاء مواعظ معلبة سابقة التجهيز مكررة سمجة؛ لا ترقى بالروح، ولا تحفز الفكر.

الوحيدة التي ما زالت تقوم بدورها التربوي "شر" قيام هي وسائل الإعلام، صار أبناؤنا أبناء التليفزيون والآيباد، يقضون أمام تلك الشاشات قطاعاً كبيراً من أوقاتهم، ويسعد الآباء بذلك، فهكذا سيرتاحون من عنائهم، لكنهم لا يدركون ما ينغرس في أدمغة أطفالهم من قيم مشوهة، وسلوكيات مستوردة، وأفكار مسمومة.

هؤلاء الأبناء في حقيقة الأمر يملكون أباً كل صلتهم به أنه كان سبباً في وجودهم، لكنهم لا يملكون الأبوة بمعناها التربوي الواسع، أبوة التوجيه والتربية والعطاء والتجربة والخبرة، فإذا انضمت إلى تلك الاستقالة استقالة الأم، فلا تسأل عن الأسرة؛ إذ سينفرط العقد وتتسيب الأسرة بأكملها، ويصبح هؤلاء الأبناء يتامى تربوياً، يقتاتون تربيتهم من الخادمة والشارع وأجهزة الإعلام.

إن قضية هذه الاستقالات التربوية الواقعية قضية خطيرة تحتاج منا إلى وقفتين: وقفة فاحصة شاملة من الدولة تتناول أساليب التعامل مع أفراد المجتمع كأسر وآباء وأمهات، والأجهزة الإعلامية التربوية، والهيكل التعليمي وأهدافه، والتنسيق بين ذلك كله ليعالج هذه القضية. ووقفة من الآباء والأمهات؛ ليرجعوا مهامهم الفطرية التي حمّلها الله إياهم.

نحتاج جميعاً إلى جلسة مذاكرة نتلقى فيها مهامنا التربوية من جديد، وبغير ذلك سيظل الآباء والأمهات والأبناء بل والمجتمع في تشرّد وهوان وضياع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.