المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يسرا سعدالله Headshot

قُل الحَقَّ و لو كان مُرًّا..فَانّ المُرَّ في فاهِ الفَارُوقِ حُلو!

تم النشر: تم التحديث:

عادة ما نواجه مشاكل وعثرات في اتخاذ قرارات تُعد مصيرية، ويُداهمنا الشكّ والهَوَس بإمكان فشل ما قرّرنا يوماً أن نصبوَ إليه، فتضحى أحلامُنا مجرد أفكار تلاشت على هامش صفحات الحياة.

يكمن إخفاقنا في ضعف ما آمنا به، فنتخلى عنه استجابة لذلك الوثاق الوهمي الذي يُجبر المرء على أن ينصاع لأوامر المجتمع، دون أن يحس بفرض وَقَعَ على قراراته أو يدٍ خفية قد جمّدت عقله. فتُشير له تلك اليد المجهولة إلى موطن الصحيح من الخطأ، لينقاد هو الآخر إلى المحيط الذي قد حدده صاحب قرار خفي..

ذلك المحيط الذي دُفنت فيه أحلام الكثيرين ومواقفهم الجادة والحاسمة، التي كان لها وقع جميل على حياة البعض لو تجسدت في الواقع. إن القواعد الخاطئة المرسومة منذ الأزل في هذا المجتمع، والتي تتبعها أغلبية الأفراد هي نفسها اليد المجهولة وهي ذاتها صاحب القرار الخفي..

فلطالما أُجبر البعض على أخذ قرارات خاطئة استجابة لقواعد مجتمعية ضيقة المدى، وتصرف البعض الآخر على نحو غير سليم اعتاد عليه وتربى.. المضحك في الأمر أن صاحب القرار الفعلي موقن بنجاعة رأيه وصلابة أفكاره وحسمه على أخذ القرارات المصيرية التي يمكن أن تعادي المألوف، لكن سرعان ما تختفي هذه النخوة، ويتحول الفرد إلى نسخة مثلما هو الحال للكثيرين. فيصافح تلك اليد المجهولة وهو عالم بذلك، ويختار حياة شبيهة لغيره..

إن المشكل الأساسي في الأمر غياب الإيمان بالنفس وقدرة الإنسان على التمييز بين الخطأ والصواب، بين الحق والباطل، فسرعان ما يغيب التطابق عما آمنّا به وتمسكنا به بشدة من جهة، وعن المتوارث فعله والطبيعي عند المجتمع من جهة أخرى، إلا واستسلمنا للموجود وألقينا بما نؤمن به في أعماق البحار، حيث تُقبرُ كل الأحلام التي تُعارض الموجود والمتوارث، وكأننا خُلقنا لحياة محسومة الفاعلية والأثر..

إن أبسط الأشياء والقرارات تُعد محسومة.. فمثلاً في توجيه جامعي مع تحصيل ممتاز، لا بد للمتفوق اختيار أفضل الشُّعب وإن اختار شعبة تماشياً مع ميولاته فيعد مجنونا حتماً! وإن طُلبت فتاة للزواج من شاب غني ذي نسب وواجهت بالرفض، باتت حمقاء خرقاء لا تعرف شيئاً من أصول الحياة!.. والأمثلة كثيرة وافرة في مجتمعنا هذا.. المجتمع الذي يهتم بآراء الناس وانطباعاتهم أكثر من مدى نجاعة القرار المتخذ وقربه من المنطق والصواب.. المؤسف في الأمر أن التلميذ سيختار ما تُمليه عليه القواعد والإملاءات والفتاة ستتجوز مِمن لم تتقبله الروح ومن لم يستجب له القلب استسلاماً لمنطق المجتمع اللامنطقي!

لو ألقينا نظرة على أغلب السيرات الذاتية للشخصيات الذين لعبوا دوراً مهماً في العالم، فأضافوا وساهموا في عمارة هذا الكون لاسترعى انتباهنا الصعوبة البليغة التي واجهها هذا العَلَمُ في تقبل المجتمع له وبدايته المتعبة لبلوغ النجاح الذي قد آمن به بعد أن آمن بنفسه أولا وقدرته على تحقيقه.
إن كلمة الحق وصوت العقل بات صداه يتضاءل ويخفت، ليعتلي فوقه ما ساد وما اعتدنا عليه فكأنما الصواب أصبح يعتمد على المتداول وما حاد عنه أو انحاز أصبح خطأً!
إن الإيمان بشيء تتعارض له الألسن والإملاءات وسط ضجيج النسخ والتشابه المقيت له حلاوة لا تقدر بثمن فكل مرارة صائبة المبدئ كان لها وقع جميل على ذائقها! ومن عباراتي التي أعشق دائما ترديدها.. قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا.. فَإنّ المُرَّ فِي فَمِ الفَارُوقِ حُلو!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.