المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يحى عقيل  Headshot

أمي ماتت ومات معها كل شيء!

تم النشر: تم التحديث:

في أقصى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء، في قرية من قرى مدينة الشيخ زويد، تسقط قذيفة على بيت، فتموت الأم وتترك ابنها يتيم الأم وما أقساه يُتماً وما أصعبه من فراق فقد الولد أمه التي يراها بعينيه الصغيرتين أجمل امرأة وأعقل امرأة وأكمل امرأة، ومَن أعظم من الأم عطاء ومن أعلى من الأم يداً، فقد أمه وفقد معها كل شيء وأظلمت الدنيا بفراقها فما يكفيها نور الشمس
ضياء..

ذهب الولد لامتحانات العام فوجد سؤالاً في اللغة العربية يقول

اكتب موضوعاً عن حب الأم فكتب إجابة مختصرة مفيدة (ماتت أمي ومات معها كل شيء) ماتت مغدورة في دارها لم يستطع وداعها ولم يتقبل فيها عزاءً..


ذهبت وتركت غصة ومرارة في النفوس نتذكرها كلما حوَّمت في الجو طائرة أو سارت على الأرض مدرعة أو رأيناه ذلك الضابط في زيه العسكري منتفخاً علينا بلا سبب.

اختصر وصف المشهد في عموم المنطقة وشخص العلة ووصف الأعراض لكل أهالي تلك البلاد.. ماتت الأم ومات كل شيء معها، فلا تظنوا أنه يرى حياة فكل ما حوله هو الموت أو جزء منه أو على الأقل بالنسبة له لا يرى في شيءٍ حياةً؛ لأن ينبوع حياته مات غدراً ومات هو في حزنه عليها كمداً.. هذا وصف الحالة في هذه المنطقة مات كل شيء عندما مات الضمير الإنساني في نفوس تحكمت في حياة الناس.. مات كل شيء عندما هان الإنسان فأصبح بلا ثمن.. مات كل شيء عندما غُيِّبت الحقيقة وتم تضليل الناس وأصبح الكذب والتزوير سيد الموقف.. مات كل شيء عندما جرفت زيتونة الوادي بلا سبب.. مات كل شيء عندما اتُّهم الأبرياء بالتكفير والإرهاب لتبرير قتلهم وعدم تمكين أحد من الدفاع عنهم.. مات كل شيء عندما أهين الإنسان وعُذِّب.. مات كل شيء عندما فقدنا الثقة في أي أحد وفي كل شيء.. مات كل شيء عندما غيبت مدينة رفح وقراها، وتركها اَهلها وهاجروا؛ لأنه لم يعد في إمكانهم أن يعيشوا فيها.

"ماتت أمي ومات معها كل شيء".. موضوع كامل، مقدمة ومتن وخاتمة في خمس كلمات..

كأنما تضرب بها في وجه القوم، لقد مات فيكم كل شيء، فكلكم موات كأنكم خشب مسندة، وإن حسبتم في انفسكم قوة وبطشاً، وإن ظننتم أنكم تصنعون حياة ففي عيون براعم مصر مات كل شيء.
وإني لأتساءل يا تُرى بماذا سيجيب أطفال سيناء إذا طلب منهم أن يكتبوا موضوعاً في حب الوطن بدلاً من حب الأم؟!

يا سادة الانقلاب لقد حققتم نجاحكم في قتل الحياة ثم كتب لكم الأطفال

شهادة الوفاة في خمس كلمات، فحقاً قتلتم كل شيء وعلى أيديكم مات كل شيء ولعل الرسالة تكون وصلت إلى مصر والمصريين الأحرار الأحياء، ولعلها أفصح
بياناً وأوضح تعبيراً من كل مقالات العالم، ولعل الحياة تدب مرةً أخرى فنجد بعض شيء لا يزال حيًّا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.