المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Yehia Ghanem Headshot

سد "النهضة".. خطيئة النفس في حق النفس 6/6

تم النشر: تم التحديث:

بداية، يجب أن نسلِّم لإثيوبيا ب"علو كعبها"* في إدارتها لملف مياه النيل منذ نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول، وذلك من خلال استسلام كامل من جانب مصر بسد النهضة، والأخطر بمواصفاته الكارثية عليها.

ولكن بقدر ما يجب أن نسلم بعلو كعب إثيوبيا -إن كانت هي فقط التي خططت وتخطط لنفسها- فإنه ينبغي علينا أيضاً أن نسلم بأن أيًّا مما أقدمت عليه إثيوبيا لم يكن مفاجئاً لنا في مصر، وعندما أقول "لنا"، فإنني أعني بدايةً من القائمين على الملف من الجانب المصري ومروراً بالمتابعين من المهتمين، ووصولاً للقيادة السياسية.

في الوقت ذاته، ومع الاعتراف بعلو كعب إثيوبيا في إدارتها لهذا الملف، فإنه يجب التأكيد على أنها لم تكن لتحقق هذا النصر من دون مساعدة رئيسية -للأسف- من مصر ذاتها.

وبالتالي، فإنه من منطلق الصدق مع النفس لأسباب أخلاقية وأخرى برغماتية -إذا كنا مخلصين في تفادي هذه الكارثة أو على الاقل التخفيف من آثارها- يجب علينا مراجعةٌ موضوعيةٌ؛ للكشف عن هؤلاء الذين تسببوا فيما نحن بصدده، ناهيك عن دوافعهم، وهو ما حاولناه بشكل جزئي في المقالات السابقة من خلال نماذج كارثية محددة..

(1) بداية من طرح مصر فكرة مبادرة حوض النيل كوريث متطور لمجموعة عمل التيكونيل، وصولاً إلى التوقيع على وثيقة الخرطوم وما بينهما من قرارات كارثية.

(2) تمثل الخطأ القاتل -الذي كان واضحاً منذ البداية- في أن المبادرة كانت في جوهرها آلية تفاوضية أكثر من كونها آلية للتعاون الفني التي كانت قائمة بين بعض دول الحوض في زمن مجموعة التيكونيل. ولقطع الطريق على ممارسة مزيد من الخداع في قضية حياة أو موت، فإننا نلخص هذه البداية الكارثية، وما أفضت إليه في التالي:

(3) مجموعة دول التيكونيل كانت تَجَمُّعًّا لبعض دول الحوض، لوضع مشروعات تنمية الحوض، وبالتالي تنمية موارده المائية، مبادرة حوض النيل كانت عمليًّا آلية للتفاوض بين كل دول الحوض حول مشروعات تنمية، سرعان ما تحولت للتفاوض على إعادة النظر في حصص دول المصب (مصر والسودان).

(4) عندما أقدمتْ مصر على الدفع بمبادرة حوض النيل كي تخرج إلى النور، كانت عمليًّا تدفع كل خصومها للتوحد على جانب من مائدة تفاوض جماعي على أن تجلس هي وحيدة على الجانب الآخر من المائدة، وهو ما لا يمكن أن يقوم به عاقل، إلا إذا كانت هناك أهداف أخرى من وراء الأكمة.
أن من طرح هذه الفكرة أو تحمس لها في مصر كان يجب أن يدرك -إنْ لم يكن مدركًا منذ البداية بالفع- أن التفاوض منذ بداية المبادرة سيكون جماعيًّا وأنه كان سيسفر بالتأكيد عن توحيد مواقف دول أعالي النيل ضد بلاده (مصر).

(5) أن ذلك التفاوض الجماعي كان سيفضي في النهاية -بعد توحيد مواقف دول أعالي النيل- إلى مرحلة أخيرة من التفاوض بين دولة المنابع الشرقية (إثيوبيا) التي تفتعل المشكلة- وبين مصر والسودان، ومن أن السودان سوف ينحاز في النهاية لدول المنابع لأسباب سياسية واضحة، وبالتالي سيكون على مصر أن تواجه إثيوبيا وحيدة، ولكن بعد أن تكون الأخيرة قد حصنت نفسها سياسيًّا بدعم كل دول الحوض لها، والأهم أن تكون بدأت في خلق أمر واقع، ألا وهو السد ذاته بمواصفاته الجائرة.

(6) الأخطر من ذلك كله، أن تلك الآلية -مبادرة حوض النيل- أوهمت كثيرين بأن القضية فنية بحتة، في حين أنها قانونية وسياسية بامتياز، وهو ما استمرأته القيادات السياسية في مصر عن وعي، حيث إن هذا التكنيك الإثيوبي كان واضحاً للطفل قبل أن يكون للمتخصصين، أما في حال الاحتجاج بعدم الوعي بذلك، فإن كل هذه القيادات ما كان لها أن تكون قيادات من الأساس، ناهيك عن ضرورة محاسبتهم.

(7) إنه عندما تدخلت القيادة السياسية في النهاية -وللعلم لم تتدخل القيادة السياسية في مصر تدخلاً سياسيًّا في الأزمة طوال فترة حكم مبارك ولا المجلس العسكري ولا محمد مرسي- فإنها سلمت بكافة مطالب إثيوبيا التي تجور على حق مصر في الحياة، ولا أقول حقها في المياه.

الشاهد، إنه بالرغم من هذا السقوط الحر الذي أقدمت عليه إدارات مصر وقياداتها السياسية على مدار السنوات الـ16 الأخيرة فيما يتعلق بمياه النيل، فإنه تبقى خيارات يمكن أن تحفظ لها حداً أدني من مستقبل لأجيالها القادمة، ومن بين هذه الخيارات:

إن أي اتفاق بين الدولة وأي أطراف أجنبية -سواء كان دولة أخرى أو مؤسسات نقدية أو مالية دولية- يستوجب إقرار ممثلي الشعب المنتخبين (المجلس التشريعي) بعد توقيع السلطة التنفيذية كشرط لتفعيل الاتفاق، فإنه يجب على مجلس النواب المصري أن يرفض إعلان المبادئ الثلاثي الموقع في مارس من العام 2015.

وفي هذا المقام، فإن رفض البرلمان لا يعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من قدر القيادة السياسية التي وقعت ولا ممثلي السلطة التنفيذية الذين قاموا بصياغة ودراسة الاتفاق قبل التوقيع. ببساطة، هذا هو دور البرلمان في المراجعة والقبول بالإقرار أو الرفض..

وبالطبع، سيكون من الأفضل ألا يكتفي البرلمان بالرفض، وإنما أن يقوم بطرح نسخة أخرى للاتفاق بعد جلسات استماع يستمع خلالها لشهادات خبراء متخصصين في مجالات السياسة والقانون والمياه والبيئة والدفاع، بالإضافة للاستماع لشهادات مختلف رؤساء الأجهزة المعنية بالقضية. وفي حال وضع البرلمان وثيقة جديدة- بعد رفض هذه الوثيقة الكارثية- فإن هذه الوثيقة يجب أن تضع سقفاً واقعيًّا لمواصفات السد شديدة الجور على حق مصر وشعبها في الحياة، وهو الأمر الذي يتوافق مع كافة القوانين الدولية المنظمة للعلاقات المائية للدول المتشاطئة في نهر دولي واحد. أن تأخذ القيادة السياسية هذه الوثيقة التي يضعها الشعب المصري مُمَثَّلاً في برلمانه المنتخب وأن تضعها أمام إثيوبيا في نفس الوقت الذي تقدمه إلى كافة المنظمات الدولية المعنية بالقضية فنيًّا وقانونيًّا وسياسيًّا لوضع أديس أبابا أمام المجتمع الدولي ووضع الاثنين أمام مسؤولياتهما الدولية.

وفي هذا، فإن هذه الوثيقة -التي ستكون أهم وثيقة في تاريخ مصر وحياة أمتها- لا يجب أن تكون موضع تفاوض مع الإثيوبيين، فهي الحد الأدني من الحق في الحياة لأقدم أمة عرفها العالم، والتي هي مهددة حالياً بالاندثار. مرة أخرى، هذه الوثيقة لا يجب أن تكون موضع تفاوض، وإنما هي تطبيق لمواد القانون الدولي فقط. وبالرغم من أن مجلس النواب قد انعقد منذ أكثر من شهرين، إلا أنه لم يثر مجرد جدل حول هذه القضية المصيرية ولا اتفاق الخرطوم الكارثي، وهو ما يجب أن يدفع كلَّ من يحب مصر ويخشى على مصير شعبها أن يدفع البرلمان أن ينهض بهذه المهمة بأقصى سرعة.

يجب وضع مدى زمني محدود ومحدد لأي اتصالات مع إثيوبيا، بحث يتم قطع الطريق عليها في خلق واقع على الأرض، وخاصة أن الزمن الذي يفصلنا عن استكمال السد بموصفاته الجائرة لا يزيد عن عام ونصف العام. وفي هذا المقام، قصدت عدم استخدام كلمة مفاوضات، وهو المفهوم الكارثي الذي أدى بنا إلى ما نحن بصدده. فالاتصالات يجب أن تتم بشكل حازم، ومفادها أن ما يحدث هو انتهاك صارخ للقانون الدولي فيما يتعلق بحياة أمة بأكملها.

ولكي يتحقق ما سبق، ينبغي بالتزامن مع ذلك كله، العمل بكل الوسائل لتوقف إثيوبيا عن أعمال الإنشاء في سد النهضة فوراً حتى يتم التوافق على اتفاق مرض للجانبين.

ولتحقيق ذلك، ينبغي على القيادة السياسية -وأكرر القيادة السياسية حيث إنه لا مجال لما دونها لعمل ذلك- القيام بخطوتين متزامنتين:

الأولى: السعي لدى الدول الصديقة والحليفة لمصر بالضغط على إثيوبيا للتوقف تماماً عن استكمال بناء السد إلى حين حسم مسألة مواصفاته الفنية الكارثية.

الثانية: التوجه فوراً إلى مجلس الأمن الدولي بملف كامل ومتكامل حول هذه الكارثة التي ليست لها إلا نتيجتان: إما خلق أجواء حرب فعلية، في حال قرر النظام المصري أن يحفظ حدًّا أدنى له من شرعية في الداخل، أو أن تؤدي الكارثة إلى موجات هجرة جماعية -أوسع بكثير مما أدى له الجحيم الذي أقامه بشار الأسد لشعبه- نحو الشمال، وهو ما لا يريده الغرب بالطبع. وغني عن القول أن جانباً من موجات النزوح الجماعي للمصريين ستتجه صوب السودان.

أن يكون هناك موقف أكثر وضوحاً وحسماً مع السودان الشقيق الذي بدا انحيازه واضحاً خلال العام الأخير للجانب الإثيوبي، وخاصة أنه لن تلحق به التأثيرات الكارثية التي ستحيق بمصر. إن موقفاً مؤيداً -بحق- من جانب السودان سيكون له أثره، وخاصة بعد أن فقدنا جنوب السودان بفضل سياسات كارثية خاطئة تبناها نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

أخيرا وليس آخرا، فإنه يجب على الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يعلم إنه إذا تقطعت بمصر السبل لوقف هذه الكارثة، فعلى الأقل لا ينبغي التسليم بها، وذلك بتوقيعه على اتفاق هو بمثابة تنازل رسمي عن الحقوق للأبد. فإذا فشل هذا الجيل في الحفاظ على حق الأجيال القادمة في المياه، فلا أقل من ألا يقيدهم نفس هذا الجيل بمثل هذه الوثائق، وأن نترك لهم الفرصة لكي يحاولوا فيما أفشلته القيادات السياسية عمدا تارة وبالجهل تارات، وأعتقد أن هذا أقل من الحد الأدنى لكي نكون مخلصين في ترديد شعار: "تحيا مصر".

الشاهد، أنه توجد خيارات أخرى بخلاف ما أوردناه، ولكن لا يستقيم الأمر طرحها على الملأ، فهي للخاصة من المسؤولين، وإن كنا نتمنى أن يمتنع غير الجادين منهم.

*ملحوظة من المحرر: عبارة "علو الكعب" تشير إلى من له اليد العليا في إدارة أمر ما.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.