المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Yehia Ghanem Headshot

شوارع جوهانسبرج.. وغرباء مصر!

تم النشر: تم التحديث:

عرجتُ على صندوق البريد المعلق على مدخل المنزل في حي باركهيرست بمدينة جوهانسبرج، بعد عودتي من العمل. كنت أرى الخطابات وقد فاضت من كثرتها حتى بدت أطراف بعضها خارج الصندوق. في الغالب، فإن معظم محتويات الصندوق تكون إعلانات، ولذا وقفت بجوار صندوق المهملات كي أتخلص منها. استوقفني خطاب كُتب على ظرفه "مجلس محلي مدينة جوهانسبرج"، حيث كنت أقيم لسنوات كمدير لمكتب صحيفة الأهرام المصرية ذائعة الصيت في جنوب إفريقيا. ساءلت نفسي بقلق: هل سيطلبون رسوما جديدة؟ كنت قد دفعت لتوي رسوم ضريبة العقارات.

فتحت الخطاب، إلا إنني وبعد قراءة أولى لم أفهم محتواه. أرجو ألا يظن البعض أن المسألة متعلقة بعجز في لغتي الإنجليزية -اللغة الرسمية في جنوب أفريقيا- وإنما عدم الفهم كان ناجمًا عما بدا في حينه غرابة المحتوى. قرأت الخطاب مرة ثانية ثم ثالثة، ولكن لم يغير ذلك من الامر شيئا. دخلت المنزل وبدأت في قراءة رابعة متأنية حتى تأكدت من أن فهمي في القراءة الأولي كان صحيحًا، إلا إنني ظللت لا أدرك ما علاقتي أنا شخصيًّا بمحتوي الخطاب..

الرسالة لم تكن طويلة، وفحواها أن المجلس المحلي لمدينة جوهانسبرج أراد أن يأخذ رأيي في مبدأ تغيير أسماء بعض شوارع المنطقة التي أعيش بها، حيث إن هذه الأسماء كانت تعود لسياسيين من البيض في زمن العنصرية. في الوقت ذاته، فإن المجلس وضع لكل شارع عدة أسماء كبدائل للمفاضلة بينها، إذا ما وافقت على مبدأ التغيير. وداخل الخطاب كان هناك ظرف عليه طابع بريد لتسهيل إرسال الرد الإفادة.

نظرت إلى الخطاب متعجبا، وخاصة أن الغالبية العظمي من أسماء الشوارع القائمة بالفعل، بالإضافة إلى الأسماء المقترحة لم أكن أعرف تاريخ أصحابها، حيث إنني كنت ما زلت حديث العهد بتاريخ جنوب إفريقيا. ومن دون أن أفكر كثيرا، ألقيت بالخطاب في سلة المهملات؛ فمالي أنا وأسماء شوارع مدينة جوهانسبرج؟

مر أسبوعان، وذلك قبل أن أتلقى خطابًا آخر يحمل رسالة من نفس الجهة متسائلة عن السبب في عدم إجابتي عن الأسئلة الواردة في الاستبيان. مرة أخرى ألقيت بالخطاب في سلة المهملات متعجبا من إصرار المجلس المحلي لمدينة على استطلاع رأيي، وكأنه لا يعيش في تلك المدينة الكبيرة سواى. مرت أيام، حتى دقت باب المنزل فتاة في العشرينيات من العمر. لم تستمر ابتسامتي أكثر من ثوانٍ، بعد أن أجابت على سؤالي عما تريده.ز
"لقد أرسلنا لك خطابين على مدار أسابيع نطلب رأيك في مبدأ تغيير أسماء الشوارع التي تعود إلى شخصيات تنتمي للنظام العنصري، إلا أنك لم ترسل ردًّا!".

كدت أتميز غيظا من الفتاة التي بدت على وجهها أمارات البراءة، حيث بادرتها مستنكرا: "هل أنا الوحيد الذي أعيش في تلك المدينة كي تصروا على إزعاجي بمثل هذه القضية التافهة؟".

"سيدى، لقد أرسلنا للجميع هذا الخطاب، وقد أجابوا إلا أنت، ولهذا أرسلوني كي أتأكد من أنك ما زلت مقيما في هذا العنوان أم انتقلت إلى مكان آخر، أم أنك قد غادرت لتقيم في دولة أخرى. وعذرا، هذه القضية ليست تافهة، بل هي مهمة جدا".

" سيدتي، رجاء أنا لا أريد إزعاجا، ولكم أن تغيروا أسماء الشوارع أو لا تغيروها، كما أن لكم مطلق الحرية في أن تسموها كما تريدون أنتم".
أبدت الفتاة انزعاجا شديدا من كلامي، حيث قالت مستنكرة: "كيف يمكن أن تفرط في حق أصيل من حقوقك بهذه البساطة؟ هذا حقك أنت وليس حق الدولة. أرجوك أن تجيب على الأسئلة في الاستبيان فهي لن تستغرق سوى دقائق".

"ولكنك لا تدركين أنا لا أملك المنزل، أنا مجرد مستأجر".
"مسألة مالك أو مستأجر ليس لها علاقة بحقك في إبداء رأيك".
"مهلا، نسيت أن أقول لك إنني لست مواطنا بجنوب إفريقيا، فأنا أجنبي".

"مجرد أنك تعيش معنا نحن مواطني جنوب إفريقيا يعطيك الحق في إبداء رأيك، وأن نحترمه ونأخذ به في صنع القرار"..

وقفت أتأمل هذه الفتاة، وأنا أستشعر ضيقا شديدا إزاء إصراراها".
"هل إذا رفضت مبدأ تغيير أسماء الشوارع التي تعود إلى زمن العنصرية، يمكن أن يكون له ردود فعل سلبية عليّ؟".
"بالطبع لا! كل ما نريده منك هو أن تستخدم حقك وأن تبدي رأيك وتأكد أنه سيُحترم".
"هل يمكنك أن تجيبي على الاستبيان بالنيابة عني؟".
وهنا كادت الفتاة أن تفقد أعصابها، وسألتني إلى أي بلد أنتمي، وذلك قبل أن تقول لي وهي مستنكرة: "أنت تنتمي إلى مصر حضارة هي الأعظم في التاريخ، فكيف تكون بهذه السلبية؟".
شعرت بالخجل، وأخذت منها استمارة الاستبيان وأجبت على الأسئلة في دقائق، وذلك قبل أن أعود إلى المنزل. وبالرغم من أنني استجبت لطلب الفتاة، إلا إنني كنت ما أزال على قناعتي من أن القضية برمتها لم تكن تعنيني في شيء.

مرت شهور، قبل أن أتلقى خطابا آخر من المجلس المحلي، ولكن هذه المرة كانوا يخاطبونني بشأن عزمهم على إعادة تأهيل عدد من الطرق الرئيسية في الحي الذي كنت أعيش به، وكان الاستبيان هذه المرة بخصوص بدائل تحويلات الطرق التي تريحني في الطريق من وإلى المنزل. وكالعادة كان مصير الخطاب إلى سلة المهملات، وكذا الخطاب الذي تلاه حتى فوجئت للمرة الثانية بشاب آخر يدق بابي ليسألني عن أسباب عدم الرد.
ومرة ثانية، استشعرت ضيقا، وكررت عليه كثيرا مما قلته لزميلته التي سبقته بشهور، ولأسمع منه نفس الإجابات التي أسمعتني إياها. وفي النهاية اضطررت أن أجيب على الاستبيان.

مر على هذين الموقفين سنوات وأنا أعيش في دولة جنوب إفريقيا، وتدريجيًّا بدأت أنا الذي أسعى كي أبدي رأيي في كل ما يحدث من حولي سواء على مستوى المنطقة التي أعيش بها في جوهانسبرج أو على مستوى المدينة، ولاحقًا على مستوى الدولة.

الشاهد، أنني بعد سنوات أدركت السر من وراء الضيق الذي استشعرته من ضغط السلطات في جنوب إفريقيا عليّ، ليس فقط كي أمارس حقي في إبداء الرأى، وإنما حقي في فرضه من خلال آلية ديمقراطية محترمة. اكتشفت أن السر من وراء ضيقي هذا هو أنني نشأت في مجتمع قائم على القمع، بداية من مرحلة الطفولة في المنزل والمدرسة ثم في مرحلة الشباب بالجامعة وفي العمل. اكتشفت أن ثقافة القمع تلك من المهد إلى اللحد -حتى وإن كانت غير مادية ظاهرة- لا تمنعك فقط من إبداء رأيك، وإنما تجعلك تضيق لمجرد أن يطالبك البعض أن تبديه، وفي كثير من الأحيان تخاف أن تبادر به، وهو ما يحرم المجتمع من أعظم نعمة منحها الله للإنسان، ألا وهو نعمة العقل والاختيار.

أدركت في السنوات التي تلت هذين الموقفين أن ما استشعرته وبالتالي موقفي السلبي في هذين الموقفين كانا ترجمة مباشرة للسبب الرئيس من وراء التخلف الذي أصابنا في مصر، والذي تشاركنا فيه دول كثيرة معظمها -للأسف - عربية أو إسلامية. إلا أنني، وبالنظر لما يحدث في مصر مؤخرا، أدركت أن الكارثة تعاظمت؛ فلم يعد غالبية المصريين يفزعون من مجرد إبداء ما يؤمنون بأنه الرأي الصائب، وإنما باتوا يقمعون بشكل مادي ومباشر في حال ممارستهم لهذا الفعل.
لجميع المصريين.. أنتم لستم أقل من مواطني جنوب إفريقيا، حتى لو اعتبرتكم "النخبة" غرباء في بلدكم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.