المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Yehia Ghanem Headshot

سد "النهضة".. خطيئة النفس في حق النفس 5/6

تم النشر: تم التحديث:

أسباب إحياء نظام مصر لِوَهْم نهر القذافي العظيم

في دولة شديدة المركزية مثل مصر، تتمتع بنظام يرتبط بقيادة تجمع بين يديها أكثر مما تحتمل من السلطات، وفي غياب شبه تام لوسائل إعلام مستقلة، يكون من الطبيعي أن يعتقد من له عقل أن أغلب التواهيم التي أطلقها -للأسف- هذا الإعلام على مدار العامين ونصف العام السابقة -وما زال يطلقها- للتهوين من الكارثة التي توشك أن تحيق بمصر نتيجة لانتقاص حصتها -الفقيرة بالفعل- من مياه النيل، هو بتوجيه رسمي بشكل أو بآخر.

وكما أكدنا من قبل، فإن الخطر الداهم الذي يهدد مصر ليس نتيجة لبناء سد النهضة في حد ذاته، وإنما بسبب إصرار إثيوبيا على استكمال بنائه بمواصفات فوق القياسية؛ فهذه المواصفات لا تفوق احتياجات إثيوبيا من الكهرباء فقط، وإنما تفوق احتياجات إفريقيا جنوب الصحراء بأسرها.

وفي هذا المقام، لا أتخيل أن أحداً في مصر يعترض على حصول إثيوبيا على هذه الطاقة الهائلة التي تكفي نصف احتياجات القارة، ولكن الاعتراض كل الاعتراض أن يكون ذلك على حساب حياة المصريين بالمعنى الحرفي للكلمة، وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي. ولا شك في أن إعلام "الصوت الواحد" الموجه يستهدف من وراء هذه التواهيم تهدئة الشعب ولكن -للأسف- ليس على حساب حياة الأجيال القادمة فقط، وإنما على حساب حياة الجيل الحالي وفي غضون سنوات قليلة للغاية.

في المقال السابق أوردنا أن نقطة ما قبل الكارثة تمثلت في أوجه القصور والتفريط الشديدة التي أوصلت مصر في العام 2010 إلى أن توقع خمس دول من دول حوض النيل العشر على اتفاق إطاري (اتفاقية عنتيبي)، وذلك قبل أن تنضم في مارس/آذار 2011 بوروندي إلى الدول الموقعة على الاتفاق الكارث، والذي يعد بداية النكبة الحقيقية لمصر في حال استكمال بناء سد النهضة في منتصف العام 2017 بالمواصفات الإثيوبية شديدة الجور على مصر وشعبها. وقد تمثلت أهم اعتراضات مصر على اتفاقية عنتيبي في النقاط الثلاث التالية:

-ضرورة أن تتضمن الاتفاقية في البند رقم (14ب) الخاص بالأمن المائي نصًّا صريحاً يضمن عدم المساس بحصة مصر في مياه النيل وحقوقها التاريخية، وذلك من خلال الإشارة للاتفاقيات الموقعة بين مصر ودول الحوض وبين مصر والسودان.

-ضرورة أن يتضمن البند (8) من الاتفاقية نصًّا صريحاً على الإخطار المسبق عن أي مشروعات تقوم بها دول أعالي النيل "المنابع"، وأن يتم اتباع إجراءات البنك الدولي في هذا الشأن صراحة، وأن يتم إدراج هذه الإجراءات في نص الاتفاقية وليس في الملاحق الخاصة بها.

-أن يتم تعديل البند (34أ) و(34ب) بحيث تكون جميع القرارات الخاصة بتعديل أي من بنود الاتفاقية بالإجماع وليس بالأغلبية، وفي حال التمسك بالأخيرة، فإن هذه الأغلبية يجب أن تتضمن دولتي المصب مصر والسودان؛ لتجنب فرض قرارات من جانب الأغلبية من دول الأعالي على الأقلية المتمثلة في دولتي المصب (مصر والسودان) وبشكل يضر بمصالحها المائية.

وبالفعل فقد كانت تلك هي الحدود الدنيا من مطالب أي دولة مصب تتشاطأ مع دول المنبع في أي بقعة في العالم؛ فالطبيعي هو وجود ضوابط أقوى من ذلك بكثير. إلا أن تنازلات صاحب الحق، دائماً ما تغري الطرف الآخر على طلب المزيد، وهو -للأسف- ما تم في الإعلان الرئاسي الذي صدر عن الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي على هامش القمة الإفريقية التي عقدت في غينيا الإستوائية في يونيو/يوليو عام 2014، وبشكل أفدح في إعلان المبادئ الصادر في مارس من العام 2015 الموقع في العاصمة السودانية الخرطوم بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي هيلاميريام ديسالين.

ففي الإعلان الأخير تخلت مصر عن الحد الأدني من طلباتها التي تحفظ لها الحد الأدني من حق الحياة، وهي المطالب التي طالما أصرت عليها حتى في زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، بالرغم من كل أوجه التقصير التي ارتكبها نظامه في هذه القضية، والتي أوردنا نماذج لها.

الغريب أنه قبل التوقيع على إعلان المبادئ في الخرطوم بأسبوعين أوردت وسائل الإعلام المصرية، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتمع باللجنة الحكومية المعنية بدراسة آثار السد الإثيوبي، وطلب من أعضائها بحث الإجراءات القانونية اللازمة لمشروع اتفاق إعلان المبادئ والتي عرفت إعلاميًّا بـ"وثيقة سد النهضة". ووجه الغرابة أنه بعد أن اجتمعت اللجنة -والتي تضم الوزراء المعنيين، بما في ذلك رؤساء الأجهزة الأمنية- وذهاب الرئيس إلى الخرطوم، وتوقيعه، ومرور أيام كي يخرج لنا نص الاتفاق، نفاجأ بأن الإعلان جاء كصورة مختصرة ومخلة وأكثر كارثية من اتفاق عنتيبي، الذي رفضته مصر قطعيًّا في زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك!

بمعني آخر، فإن إعلان المبادئ سلَّم بحق إثيوبيا ليس في بناء السد، ولكن الأخطر هو أنه أطلق يديها في استكمال بنائه بالمواصفات الجائرة بكل آثارها المدمرة على مصر.

وبالرغم من أن العالمين والفاهمين والمخلصين تعالت صرخاتهم محذرة، إلا أن وسائل الإعلام "الوطنية"، ومن قبلها السلطة المصرية ضيعت -وما زالت تضيع- شهوراً طويلة، في أزمة كارثية يكون لكل ساعة فيها ثمن فادح، وذلك للترويج لهذا الاتفاق على كونه اختراقاً سياسيًّا رائعاً قامت به القيادة السياسية.

في الوقت ذاته، واصلت نفس تلك وسائل الإعلام بثّ ترهات حول مشروع وصل نهر الكونغو بنهر النيل؛ لحل مشكلة مصر بعد اكتمال سد النهضة. وفي هذا القول، أؤكد إنه إذا كانت أضغاث أحلام ديكتاتور ليبيا الراحل معمر القذافي التي أنفق عليها مئات المليارات من الدولارت لتوصيل مياه نهر الكونغو إلى صحراوات ليبيا قد نجحت، فإن مصر يمكنها أن تنجح في تنفيذ هذا الجنون، ولكن في هذه الحالة من دون مليارات القذافي. والحقيقة -التي يعلمها المسؤولون والمتخصصون في مصر والعالم أجمع- هي أن القذافي فشل، ببساطة، لأن المشروع غير قابل للتنفيذ، وهو ما اضطره للاستعاضة عنه بالإجهاز على مخزون المياه الجوفية الليبية بالاستخراج الجائر، وذلك قبل أن يتحول كي يسحب من مخزون المياه الجوفية المصرية في الصحراء الغربية (الخزان النوبي العظيم) -الذي خرج وزير الري مؤخراً كي يزف بشرى اكتشافه بعد ما اكتُشف بأكثر من نصف قرن- وليزهو القذافي بما أسماه "نهر ليبيا العظيم".

هذا الإعلام الذي يردد من دون فهم، وينفذ أوامر وتوجيهات تغيب الشعب عن الحقيقة من دون ضمير، يجب أن يعلم أنه هو والشعب ملاقو الحقيقة القاسية قريباً، إذا لم يوضع حد لهذا الهزل. الأخطر، أن ذات الإعلام الموجّه ما زال يرمي المعارضين بالخيانة والخروج عن الصف في مرحلة يصفونها بأنها "حرب". وبالرغم من أنني شخصيًّا مؤمن بأننا في زمن الحرب، إلا أنه يبدو أن إعلامنا وبعضاً من مسؤولينا أصيبوا بـ"انفصال شبكي سياسي"، بحيث باتوا لا يدركون من هو العدو في تلك الحرب، وبالتالي، فقد باتوا يرون كل من ينتقدوا أيًّا من سياساتهم مخربين أو أعضاء فيما يصفونه بـ" الطابور الخامس" وأنهم سيوردون الوطن موارد التهلكة.

وفي هذا المقام، فإنه من الواجب التأكيد للجميع -معارضة قبل حكم- أنه لا يجب أن توجد معارضة أو حكم فيما يتعلق بسد النهضة، حيث إن القضية هي قضية الجميع، وهي ببساطة قضية حاضر مصر ومستقبل أجيالها القادمة. ما حدث منذ زمن مبارك وحتى توقيع وثيقة إعلان المبادئ في الخرطوم هو أكبر جريمة ارتُكبت في حق هذا البلد عبر تاريخه، وهو ما لن تغفره لنا الأجيال القادمة، هذا إن قدر لها أن توجد. وبالرغم من أن سنوات ثمينة ضاعت في هذا اللهو، فإنني مازلت أؤمن بأن من يعتقدون أن قضية مصر قد ضاعت، بعضهم يائس بطبعه، والبعض الآخر منعدم الخيال المبدع في مواجهة الأزمات، وقليل منهم أشك في نواياهم. فبالرغم من أن سوء الإدارة والفساد وسوء النوايا والأفعال حدت من خيارات مصر لوقف الكارثة، إلا أنه بقيت خيارات -سنتحدث عن بعضها في مقال قادم- وأخرى ليس لها سوى الطرح الخاص وليس العام، فليس كل ما يعرف يقال على الملأ..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.