المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Yehia Ghanem Headshot

إقرار"غير مقدس" للحرب: العواقب الخفية لبيان الكنيسة الروسية

تم النشر: تم التحديث:

على مدار الأشهر الثلاثة الماضية قتل ما يقرب من 20 ألف سورياً من المدنيين الأبرياء جراء الاعتداء الروسي، وتزداد بشاعة الصورة عندما تتفق بيانات أرض المعركة مع بيانات صور الأقمار الصناعية الأميركية والتي تثبت أن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) لم يكن قط الهدف الرئيسي ولا حتى الثانوي للضربات الروسية، بل كان الهدف الأساسي دوماً حماية نظام الأسد القاتل الحليف من خسارة حرب شنها على أغلبية السوريين الحالمين بالحرية والديموقراطية.

ورغم الهمجية والبشاعة، إلا أن هذا المقال لا يركز على جرائم موسكو الشنيعة، بقدر ما يركز على العواقب الكامنة والخفية والممتدة لبيان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عند بداية حملة روسيا العسكرية أواخر سبتمبر/أيلول الماضي.

فبذريعة قتال داعش وتأييداً لحملة روسيا العسكرية القائمة ضد المعارضة المسلحة السورية الإسلامية منها والعلمانية، أطلقت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية العتيدة لقب "الحرب المقدسة" على الاعتداء، فقد نقلت وكالة إنترفاكس للأنباء عن فسيفولود تشابلن، رئيس العلاقات العامة بالكنيسة قوله:

"إن الحرب على الإرهاب حربٌ مقدسة، ولعل بلادَنا اليومَ هي أكثرُ قوةٍ فاعلة في محاربته."

لطالما وجهت لنا نحنُ المسلمون الاتهامات بإضفاء صفة دينية على حروبنا، وهي الاتهامات التي لم تنطبق على الواقع لعقودٍ خلت. فمنذ بدء القرن الـ20 والعالم الإسلامي حريص على إزالة الصبغة الدينية عن نزاعاته مع الآخرين، حيث لم يكن للدين أي مكان في المعادلة مع بدايةَ صعود القوميات العربية الممزوجة بالاشتراكية.

ولعل البعض يتساءل عن سر هذا التغيير الذي حدث وكيف ولماذا. الحقيقة أن أغلبية من في الغرب وحتى من في العالم العربي لا يدرون أن القومية العربية لم تكن يوماً -وياللعجب- من بنات أفكار العرب، بل كانت بدعةً غربية-بريطانية-فرنسية بامتياز.

وبقراءة المذكراتِ الهامة لشخصيات مثل توماس لورنس (والمعروف باسم لورنس العرب)، وجون فيلبي (والمعروف باسم شيخ عبدالله فيلبي), أشهر جاسوسين زرعهما في الشرق الأوسط جهازُ الاستخبارات السرية البريطانية (الإم آي 6) في بداية القرن الـ20، نجِدُ أنهما وراء نشر فكرة القومية العربية , وهي الفكرة الي عارضها في البداية معظم العرب لتعلقهم بالهوية الإسلامية.

ومن دون الحاجة للحديث، فإن هدف كل من بريطانيا وفرنسا من وراء بذر بذور القومية العربية والترويج لها بتر العلاقة الوطيدة التي كانت تربط الوحدات السياسية المكونة لدولة الخلافة العثمانية والتي امتدت من أقصى شرق أوروبا إلى أقصى بقاع العالم الإسلامي.

ولتنفيذ هذه المهمة بفاعلية وبلسان عربي، اختار الإنكليز والفرنسيون الأقلية المسيحية في سوريا ولبنان لحمل لواء هذه الهوية الجديدة، وكان خياراً موفقاً في ضوء الكراهية التي يكنها مسيحيو الشام للدولة العثمانية. بالتالي ، وفي ظل إحلال الهوية القومية محل الهوية الإسلامية، قام العرب بعلمنة جميع صراعاتهم منذ بداية القرن العشرين.

إلا إنه وبمرور الوقت، وبعد ما أدت وظيفتها فى تفكيك الدولة العثمانية، تحولت القومية العربية في نظر صناعها الغربيين إلى وحش "فرانكنشتاين" يجب أن يقضى عليه. والمفارقة هنا، هى أن العرب أثناء انشغالهم بعلمنة وعرقنة صراعاتهم، كان الغرب يضفى مسحة دينية على صراعاته، وهو بذلك كان يأدلج ما لا يجب أن يأدلج!

War Memoir
كتاب "مذكرات حرب" الكشف عن المستور

وقد ظهرت التجليات الباكرة لأدلجة الغرب لحروبهم فى الشرق الأوسط دينيا فى خواتيم الحرب العالمية الأولى. فبالرغم من أن الحرب كان أوروبية 100% وجرت كل أحداثها في أوروبا، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني البروتستانتي، لويد جورج، أصر على إخراج شبه مسرحى لمشهد نهاية تلك الحرب في الشرق الأوسط، وبشكل أكثر تحديدا في مدينة القدس.
ولذلك انتظر العالم 4 أشهر بعد انتهاء الحرب فعليا باستسلام دول المحور بقيادة ألمانيا لكى تصدر دول الحلفاء بقيادة بريطانيا العظمى إعلانا بنهاية الحرب.

السؤال المهم: لماذا استغرق الإعلان المنتظر كل هذا الوقت الطويل؟ الجواب: لقد أرادت بريطانيا تهيئة أرضية جديدة ليصدر الإعلان منها.

في كتابه "مذكرات حرب" يقول لويد جورج أن العهد القديم وكل قصصه الدائرة في بلاد الشام وقراها ومدنها التي لا تزال محتفظة بأسمائها المذكورة في الكتب المقدس لطالما كانت مصدر افتتان له وأنه لطالما حلم بأن يعيش الحروب الصليبية من جديد. وإيماناً منه بأن مشهد إسدال الستار هو دوماً المشهد الذي يعلق في ذاكرة الناس، قرر أن يكون ذاك المشهد الأخير بعيداً عن مسرحه الأوروبي. وهكذا وبناء على هذه الخلفية الدينية الإمبريالية اتـُخِذَ قرار بدء حملة عسكرية على فلسطين كمشهد ختامي لحرب لم تجرِ أحداثها في الشرق الأوسط.

المؤرخ الشهير رينيه غروسيه (1885-1952) وصف إصرار بريطانيا على أداء المشهد الأخير من الحرب على مسرح فلسطين -الذي لم يكن ساحة قتال- بأنه إعادة إحياءٌ للحروب الصليبية لدرجة أن جنود الجنرال ألينبي -قائد قوات الحلفاء الغازية لفلسطين- الذين اقتحموا القدس أطلِق عليهم لقب "أحفاد الملك ريتشارد قلب الأسد" الذي قاد الحملة الصليبية الثالثة على المدينة نفسها.

لكن في تقديري إن أسباب إصرار بريطانيا على تحويل مكان نهاية الحرب الأوروبية من أرضٍ أوروبية إلى أرض عربية كانت كالتالي:

1. افترضت بريطانيا أن المشهد الأخير هو مايبقى راسخا في الذاكرة الجمْعِية وفي وجدان الأوروبيين، وبالتالي إن إعلان نهاية حرب أوروبا من أرض فلسطين سيعزز في الأذهان فكرة أن أي حرب مستقلبية ينبغي ألا تكون بين مسيحي أوروبي ضد مسيحي أوروبي آخر.

2. تعزيز فكرة نقل الصراع وتحويله ليصبح مسيحياً أوروبياً ضد العربي المسلم، عملاً بمبدأ "هدنة الرب" الذي أطلقته كنيسة روما مع نهاية الألفية الأولى وبداية الألفية الثانية. "وهدنة الرب" فى نسختها الأصلية التى تعود نهاية الألفية الأولى كانت تعني الوقف الفوري لكل الحروب القائمة بين الأوروبيين ونقل حروبهم إلى الشرق الأوسط. وبالطبع، فإن ألمانيا النازية كسرت هذه القاعدة في الحرب العالمية الثانية، لكن ذلك كان مجرد استثناء للقاعدة المرسومة.

3. توصيل رسالة واضحة، ألا وهي أن أي مشاريع عسكرية إمبريالية، كالحروب الصليبية،قد تنكسر لكنها أبدًا لا تموت.

4. توصيل رسالة واضحة أخرى أن أي حرب على أرض أوروبا لن تكون مسيحية-مسيحية من الآن فصاعداً، بل ستكون مسيحية-إسلامية من أجل طرد المسلمين من أوروبا خاصة إن حاول هؤلاء المسلمين فى أوروبا إنشاء كيان خاص بهم، وما كانت حرب البوسنة والهرسك بين عامي 1992-1995 إلا محاولةٍ فاشلة في هذا الاتجاه.


نعود الآن إلى قداسة بطرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبركاته التي نثرها فوق قرار الحرب التي شنتها بلاده علي سوريا لنطرح بعض الأسئلة:

أ‌. ابتداء من العام 2011 تظاهر أغلب السوريين ضد أكثر من 40 عاماً من استبداد وطغيان عائلة الأسد. في العامين الأولين كان الأسد وجيشه -وليس حتى قوات الشرطة المنوط بها التعامل مع المدنيين- يقتلون المتظاهرين السلميين الأبرياء حتى اضطروا للتسلح دفاعاً عن أنفسهم. الآن بعدما أيد بطرك روسيا ما أسماه الرئيس بوتين "تدخل موسكو بطلب من حكومة سوريا "الشرعية" لمكافحة الإرهاب"، فهل المقصود هنا داعش و\أو المعارضة الشرعية التي دفعتها جرائم الأسد للتسلح لتدافع عن نفسها؟

ب. عندما وصف بطريرك الكنيسة الأورثوذكسية الروسية المعركة بأنها "مقدسة"، هل عنى بذلك أن حماية القاتل المستبد جزء من العقيدة المسيحية؟

ج. ألم يخطر ببال البطريرك أن العبور إلى ساحة السياسة - المفترض أنها محرمة على الكنسية – من باب الحرب في سوريا سيعيد للأذهان كل الذكريات الرهيبة عن الحروب الصليبية في الشرق الأوسط؟

د. هل يعرف البطريرك فعلاً العواقب الممكنة لبيان كهذا من شأنه مفاقمة الصراعات في الشرق الأوسط وزيادة تطرفها؟

بعدما طرحنا هذه الأسئلة على البطريرك الروسي يتبقى لنا سؤال واحد نطرحه على الغرب: بعدما استبدلتم القومية العربية بديلا عن الرابطة الإسلامية التي ربطت العالمين العربي والإسلامي بوشيجة واحدة، وبعدما بِدَوْرِكم فككتم القومية العربية، ماذا تظنون العربَ فاعلين؟ بالطبع، فإن ردة الفعل الطبيعية ستتمثل فى عودة كثير من العرب إلى الهوية والرابطة العقدية الإسلامية، والغريب أن من يلوموا العرب على ردة الفعل تلك هو الغرب الذى دفع العرب إلى ذلك مرتين.
حسنٌ، إن هوية الشعوب أمرٌ يمكن التلاعب به مرة أو مرتين، لكن قطعاً ليس إلى الأبد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.