المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يزن التركاوي Headshot

فتاة مقاومة ومجتمع طاغية

تم النشر: تم التحديث:

في العنوان لم أقصد الفتاة الثائرة على محتل أو نظام حكم، كالحرائر العظام التي نرى في سوريا وفلسطين والعراق واليمن وبالأماكن الأخرى حول العالم. بل قصت تلك التي بدأت رحلة الوعي في حياتها على ظلم وجبروت المنزل، والأسرة، والمجتمع، والمحيط، ومن نظام بشري كامل.

تتفتح زهرة عقل الفتاة على فرض حق منقوص لها كحق كامل ويجب عليها تقدير واحترام ذلك.

حقٌ منقوص يبدأ من التحكم بقراراتها وخياراتها ونص القوانين من "الأوصياء عليها". قوانين يفرضها المجتمع بشكل قاسٍ تارة، وتارةً منمقة مزينة بإطارات العيب والحرام.

قوانين لعمل المرأة وفي مكانٍ آخر لقيادة السيارة، والترشح للمناصب، ولسلوكياتها.. كيف تدخل أو تخرج، وكيف تتكلم، نوعية ملابسها، و..

ليس هذا بالغريب على مسامعنا خاصةً بالشرق الأوسط، فمنذ بدأ تطور البشر نُقلب قصص المرأة، عن التقصير معها وهضم حقوقها والحد من مجالاتها في الحياة اليومية بتشريع القوانين، منذ زمن بعيد في العهد اليوناني وأيضاً عند الإغريق سلبت منها حقوقها في الإرادة، فلم تكن ذات إرادة حرة، ولا مكانة اجتماعية، ومحرومة من الميراث، وحق الطلاق، والتعليم. وحتى مناقشة الرجال. وعند العرب في الجاهلية الفتاة نذير شؤم وفقر.

ولاتزال كذلك في بعض العقول فالاضطهاد مستمر وأنواعه مختلفة ونكاد نراها حتى في مدن متقدمة مثل فرنسا، فقد نَشرتْ وزارةُ العدل الفَرنسية تقريرًا أُعِدَّ في عام 2008، كشف أنَّ ثَمَّة 1.5 مليون امرأة فَرنسية يتعرضن للعنف الأُسري من طرف أزواجهنَّ كلَّ عام.

الشابة التي خُلقت إنسانة، حرة، تكون أمام خيارين: إما الخنوع وقبول الحق المنقوص أو المقاومة.

عبر التاريخ نرى الثائرات ذوات الوعي طالبنَ بكل ما لهن ولم يقبلن بالقيود الوهمية واحترام المضطهدين لهن.

الفئة المقاومة من الفتيات أيضاً كانوا هناك عبر التاريخ وفي كل الحضارات ليثرن على الظلم والاضطهاد.

بمسرحية من كتابة سوفوكليس عام 441 ق. م، عرضت هذه التراجيدية عدة جوانب أهمها الثورة على الديكتاتورية، وقد صورت جلياً نظرة المجتمع والقوانين تجاه المرأة، وأنها أدنى درجةً من الرجل.

أنتيجون: المرأة الفتية، بطلة العرض، جرؤت على معارضة المرسوم الظالم غير الآدمي للملك الديكتاتور(عمها)، وكانت مقاومة لم تسمع لأخواتها اللواتي ذكرنها دائماً أنها فتاة وأنها ستساق للإعدام جراء مقاومتها.

ثم الأمثلة لا تحصى عن "المقاومات" حول العالم.

في الأمس ظهر فيديو على الإنترنت لشابة سعودية تقود رغم أن القوانين تنص على منع المرأة من القيادة داخل المملكة. مشروع "بصي" لشابات وشباب يحكون تجاربهم الشخصية مع الاضطهاد من المجتمع لهم. وفي باكستان في بداية هذا العام تحدت شازيا برفين العادات والتقاليد، واختارت العمل في مجال إطفاء الحرائق، وبذلك أصبحت أول امرأة تعمل في هذا المجال في بلدها الذي يرفض عمل المرأة في ما يسمونه "مجالات عمل الرجال".

أما سارة حميد (27 عاماً) نجحت بأن تصبح أول قائدة لطائرة تجارية داخل الهند وتعمل لدى شركة "سباس جيت" للخطوط الجوية. والفلسطينية ذات الـ 33 عاماً، أصبحت بأواخر يوليو/تموز المنصرم أول مأذونة أنكحة في فلسطين وثالث مأذونة في البلاد العربية رغم رفض المجتمع لفكرة أن يتم عقد القران بواسطة امرأة. (رفض عروسين اكمال إجراءات الزواج بعد أن تقدموا لها ورأوا أن المأذون أنثى) وقد عقبت المأذونة -عماد- لوكالة الصحافة الفرنسية "لا يوجد أي مانع شرعي أو قانوني يعيق هذا التعيين، العائق الوحيد هو اجتماعي لأن المجتمع ذكوري".

والكثير من المخرجات تحدين واقع المرأة الأليم، وأخريات عبرن برسمات عُرضت في معارض فنية عالمية، وفتيات أقمن الندوات والحوارات وأخريات قاومن العادات الأسرية وغيرنها، والقائمة ليست بالكبيرة للفتيات المقاومات؛ لكنها تكبر وتزداد يوماً بعد وعي.

في النطاق الأصغر والأكثر تحدياً للفتاة تحدي (الأسرة)، ففي عرف الأسرة الشرقية أنهُ من يعطيك المال له الحق بالتحكم بقراراتك وكذلك من هو أكبر منك، ومن آتى بك للحياة أو من ملك وصيةً عليك خُولت له بعُرفٍ معين.

كيف إذا اجتمع كل ذلك بشخص، وهو يجتمع حقاً بـ"الأب" والكارثة.. إن كان ذاك الأب "مريضاً مجتمعياً".

مرض فُرض من المحيط عليه، مرض الأب غالباً يكون بحب السيطرة والهيمنة والاستبداد وفرض الرأي على الأبناء، كإلزام الفتاة بالزواج من شاب لا تريده، أو أن يفرض الأب على ابنته دخول تخصص معين في الجامعة أو إلزامها بعمل معين أو مهنة معينة لا ترغب بها، ولا يتقبل استقلالية الفتاة ومساواتها مع الشاب.

بعض الآباء يتفاقم مرضهم فيميل للألوهية، فينصبون أنفسهم أرباباً على المنازل ويفرضون قراراتهم وآراءهم بعد تلبيسها قالب "الصواب" والادعاء بأن الأب هو الأكثر خبرة ومعرفة، وهو صاحب القرار الصائب في هذه الدنيا ولا أحد غيره يعطي الفائدة كما يفعل هو.

مع الأسف يقوي هذه الحالة شخصية الأم الضعيفة لكن ليس عليها لوم لأنها جاءت من نفس نمط الفكر، والسيئ بالموضوع أن معظم الفتيات يقبلن ذلك كُله ويرضين بحقهن المنقوص كحق كامل وكشيء طبيعي للفتاة أن تكون دون الرجل كما ذكرت في بداية المقال.

واللوم الأكبر يكون على المجتمع الذي يقدس مثل هذه التصرفات ويصبغها بألوان الدين، والعيب، والصواب، والعرف، وألوان لا تعد ولا تحصى بمغالطات لا يقبلها إلهٌ ولا عقلٌ واعٍ، ولا منطق. ويفرض -كلام المجتمع- أن الأب بالفعل يعرف الصواب وأنتم لا تعلمون. وأن الأب هو الخبير، وهو العالم وهو صاحب الفضل، وهو صاحب القرار الأول هو الآخر ولو استطاع المجتمع أن يعطي للأب صفات الله التسع والتسعين لفعل.

لنتساءل هنا: من المجتمع؟
المجتمع "يا بنت" هو الآباء أنفسهم، هو الموظف الأب، وهو المدير الأب، وهو المعلم الأب وهو العاطل عن العمل الأب، وهو المثقف الفنان (صاحب المزاج الصعب) الأب.

والنساء يغيبون عن مثل هذا المجتمع كلياً، وفي حال بعض المحاولات من الأمهات لدعم الفتيات سينزل عليهن صفات المحرضات على الانفتاح، والداعيات للخروج عن العادات والتقاليد. أما الواعون من الآباء الذين يخاطبون عقل أبناءهم ويقبلون نقاشهم واختياراتهم، ببساطة يُعتبرون بالنسبة للمجتمع غرباء أطوار عاصين منحلين، لم؟ بتهمة أنهم (يناقشون) أبناءهم وبناتهم. وهل للصغير رأي؟ وإن كان له رأي هل هو أفضل من رأي أبيه ذي الخمسين عاماً؟ "هذا عدم احترام وزمن العجائب، قد اقترب يوم الساعة" يقول أبٌ من المجتمع المشؤوم.

تلك الشابة الشامخة التي تقاوم كل ذلك يقال عنها فاجرة ليس لأنها لم تصلّ هذه مقبول وليس لأنها لا تعرف من دينها شيء أيضاً مقبول وبشدة. لكن لأنها لا توافق أبيها الرأي وهنا.... سيغضب الأب وحذاري من (الغضب) ذلك الوحش المشؤوم الذي عشنا كبشر على مر الزمان على إنه (افعل أي شيء لكن لا تغضب والديك).

لماذا؟ لأن غضب الوالدين من غضب الله!!

طيب، أليس التقصير بالصلاة يغضب الله؟ أليس الكذب يغضب الله؟ بل وأكثر أعرف أصدقاءً لي شباباً وشابات يقيمون علاقات جنسية لا شرعية وعند مجابهة آبائهم لا يجرؤون بالنطق برأيهم "كي لا يغضبون الوالدين". تناقض مقيت زرعه المجتمع والتربية على الرعب من وحش غضب الآباء.

كل المعاصي، كل تقصيرك كإنسان ملتزم لا يغضب الله وسيغضبه عدم إطاعة والديك بأشياء ليس لها صلة بالدين أصلاً.

وإن لم يغضب الله عدم التزام الوالدين! الأب الذي يشتم الله ولا يصلي إلا أمام الناس في المناسبات النادرة والذي لا يصوم!

أليس عدم معرفة والدكِ بدينه يُغضب الله ؟! أليس ظلمه لكِ ولأخوتك وأمك يغضب الله؟

أود القول أنت كفتاة أو حتى الشاب لا تناقض نفسك تحرر من قيود وهمية لا أساس لها بالدين أو الأخلاق.

ابنِ ذاتك وكيانك أنت إنسان، لن تكون إنساناً فقط إن كنت والداً، وماذا عن الأمهات إذاً؟

فكّر بوعي! أليس لهن الحق أن يكنّ بشراً بحقٍ كامل.

معظم الآباء من هذه النماذج، يبنون أحكامهم وقراراتهم بناءً على أفكارهم لا من مرجعية علمية ولا كتب قرأوها لأنهم لا يقرأون غالباً، ولا على أساس عاطفي ولا حتى أساس منفعتك، بل القرار أولاً يكون لشأن الأب، وكيف سيؤثر على حياته هو وليس على حياتك أنت. ثانياً هل سيمس ما سيقرره شخصيته هل فيه انتقاص لحق الألوهية الممنوح له من الإله الأكبر (المجتمع).

ما عدا ذلك أشجعكِ على أن تطيعي والديكِ في حال تفهموك وفهموك، وأقنعوك حقاً لا فرضاً ولا تخويفاً من غضبهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.