المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 ياسين برقاد Headshot

رَجاءً.. لــِـنـتـفَـقَّد إنسَانيّتــنــــَا

تم النشر: تم التحديث:

سأبدأ لكم حديثي بقصة حصلت لي مع صديقة مسيحية من أصل أمريكي حيث كان "فيسبوك" سبباً في هذا الحوار الذي دار بيننا في السنوات القليلة الماضية في ظل أحداث الثورات العربية..

شرعت في الحديث قائلاً: أترَينَ ما وصَلَت إليه دُولنا العربية والإسلامية من فوضى واضطرابات وما نتج عنها من عواقب وخيمة؟

تجيب صديقتي ''Molly'' متأسفة: من المؤسف حقاً أن يكون ثمن المطالبة بالإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد، هو القمع والتشريد وإراقة الدماء وقتل النفوس البريئة التي لا ذنب لها، وكل هذا من أجل التشبث بكُرسي الحُكم لا غَير..

أرُدُّ متفاجئاً لاهتمامها بأحداث الربيع العربي، وبالأخص الثورة السورية: بالفعل ''Molly'' فأعيننا تبكي دماً وقلوبنا تعتصر ألماً لِما يحصل لإخواننا المسلمين، ولا نجد ما نفعل لهم سوى الدعاء، حيث العين بصيرة واليد قصيرة.

تجيب ''Molly'' متعجبة! كيف ذلك؟! بالمناسبة، بالأمس ذهبت للتبرّع بأموالي في صندوق إحدى الجمعيات التي تقدم الدعم والمساعدة للسوريين من مدينة بوسطن، تدعى جمعية "نُوداي سوريا".

فكان هذا الجوابُ بمثابة وقْع الصّاعقة على رأسي، فَهُنا تَلجَّم لساني وتاهت كلماتي وخانني تعبيري، اكتفيت بالصّمت فقط، متأسفاً على حالنا نحن المسلمين الذين قال فيهم الرّسول عليه أفضل الصّلوات وأزكى التسليم: ''مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى..''.
كانت هذه القصّة كافية لتعلُّم درسٍ لن أنساه طولَ عُمري، وبقيّة حياتي، إنها الإنسانية في أرقى معانيها، وأروع مشاهدها.

وهنا السؤال: لِمَ مازالت صُورة الإنسانية في عالمنا العَربي والإسلاميّ مُشوَّهة وغير شامِلة؟ لِمَ مازِلنا نرى بعض المسلمين غير مبالين بالقضايا العربية والإسلامية، وما يحدث من قمع وقتل وتفجير وترهيب وانتهاك لحقوق إخوانهم المسلمين؟ بينما ينهارون بكاء وعَويلاً، وتُرفع الشِّعارات، وتتعالى الأصوات، وتُنظّم الوقفات التضامنية والاحتجاجات، حينما يصاب الغرب بمكروه، وتتوالى عليه المصائب وتأتيه الكوارث من كل صوب وحدب..

أو نجد العكس أيضاً، أن البعض الآخر يتعامل بكل وحشية وهمجية وقسوة تجاه الغرب ظانّاً بتصرفاته هذه أنه سيدخل الجنة أيُّ الأبواب شاء، وتكون ردة فعله تجاه إخوانه العرب سوى تمتمات غير مفهومة وكلمات تدل على عجزه، وسرعان ما ينسى، كأنهم ليسوا بنو جلدتنا وديانتنا، ولا تربطنا بهم رابطة نسب أو دين أو عروبة أو جغرافية المكان.

ولِمَ مازِلنا نسمع على قنواتنا الدّينية وخِطاباتِنا أدْعيّةً تَحمل في طيّاتها البُغض والكراهية وإقصاء الآخر؟ حتّى ديننا، أبداً لم يناقض مبدأ الإنسانية منذ بزوغ فجره وحتى وقتنا الراهن، بالعكس فالإسلام من أبرز الأديان التي تقوم على هذا المبدأ، بل والمتأمل في تعليماته وتشريعاته يرى هذا واضحاً ومُتجلِّيا. ألمْ يقل سُبحانه وتعالى: "وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"... فلِم جعلتموها "لِتعارَكُوا"؟ ألم يكفيكُم ما أُرِيقَ من دماء وما أزهِقت من أنفس بريئة وكله بسبب التعصّب لدينٍ أو مذهبٍ أو عرقٍ أو لون؟ أليست الإنسانية هي الأم التي تحتضن الكُلّ؟ وهي الرّحِم التي تَسَع النّاس جميعاً، حيث تجمعهم الأخوة والرّحمة والعطف والتسامح والتضامن رغم اختلاف دينهم أو عرقهم أو لونهم أو لغتهم أو جنسهم.

لهذا دعوتي هنا أن نراجع مفهومنا للإنسانية، إنسانيتنا في علاقتنا مع الآخر، متى ندرك أنها أشرف رابط بيننا، وأنها أجمل شيء مشترك بيننا، وأنّ كل الحدود على خريطة هذا العالم غير موجودة تحت هذا السَّقف، سقف الإنسانية.

لمْ أجِد أفضَل من هذه الحِكمة أختم بها كلامي، وهي حِكمة بليغة في وصفها لهذا الواقع، لا أعرف قائلها لكنها تحمل في ثناياها معنى راقياً وهادفاً: "كثيرون على قيد الحياة، قليلون على قيد الإنسانية".

فالإنسانية تبقى هي الحل كيْ يعُمَّ السّلام والحبّ بين مختلف الشعوب والقبائل على هذا الكوكب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.