المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسين أعليا Headshot

سفينة 20 فبراير

تم النشر: تم التحديث:

في صباح ذلك الأحد قبل خمس سنوات من اليوم، استنهضت همم الشباب وساروا إلى الساحات فرادى وجماعات، منتشين بمآلات الهارب التونسي والمخلوع المصري، تدغدغ أحلامهم مطالب الحرية والمساواة والكرامة والعدل، ساروا وفي قلوبهم خيفة من ردة فعل السلطة، يتوقعون حزماً ولا يستبعدون قمعاً، ورغم وساوسهم كانوا مصرين على أمرهم حازمين في قرارهم: لا تراجع اليوم، هذه فرصتنا نحن أجيال الاستقلال؛ لنفتح في تاريخ الوطن قوساً لن نغلقه قبل نيل الكرامة.

ركب من شاء أن يركب في سفينة 20 فبراير/شباط وخاضوا بها بحر الحقوق المهدرة، بدا اليم ساعتها وديعاً هادئاً يحمل السفينة نحو الأمان بطمأنينة، ورست السفينة لحظة بمرفأ التاسع من مارس/آذار ليتسابق المتهافتون والوصوليون والأنذال ليلحقوا بركبها، ويخوضوا العباب على متنها، فالجو ملائم، وقائد السفينة غائب لم يعرف له بعد اسم، ولا أصل، ولا أيديولوجية.

وهكذا -يا سادتي- سارت السفينة على غير هدى ومن دون خط سير واضح، يتزاحم ويتدافع ركابها لبلوغ زمامها، وما بلغه فرد ولا جمع منهم، فلما رست في ميناء الفاتح من يوليو/تموز، انقلب حال البحر رويداً رويداً، وعادت أمواجه لتهز السفينة هزاً خفيفاً ما لبث أن تحول إلى اهتزازات أعنف وأقوى، وفي 25 نوفمبر/تشرين الثاني، صعد على ظهر السفينة قرصان بربطة عنق جديدة ولحية مشذبة ورداء ناصع البياض لم يمسسه درن من قبل، كان مظهره يوحي بالأمان والأمل، وخلفه جمع جرار من المبايعين، بعضهم من صحبه القدامى وأكثرهم من المستغفلين الجدد، ألقى الرجل حباله وربط السفينة بإحكام ثم نادى في أهلها: لقد آن لكم أن تستريحوا وسنكمل عنكم مسيرتكم.

ثار البعض وهاجوا: لا بد للمسيرة أن تكتمل وما زال الطريق بعيداً، لكنه نهرهم وأطلق قهقهاته المتهكمة: قدر السفينة أن تتوقف هنا، وأنا مَن سيقود السفينة الجديدة.

ركب جمع من أهل 20 فبراير وانقادوا للربان الجديد، لم يكن القائد خبيراً بالبحر اللجي المظلم، لكنه كان فطناً كيّساً يأتمر بأوامر برج القيادة والمراقبة من دون مجادلة ولا نقاش، خاض الربان الهمام مناطق وعرة ما سبقه إليها أحد، ومضى في مواجهة من حملوه إلى رئاسة السفينة والانكباب على الاقتطاع من امتيازاتهم، بينما لم يقدر على ركاب الدرجة الأولى الذين ظل يخطب ودهم وهم عنه معرضون.

لقد عفا عما سلف منهم، فلما لم يعيروا له اهتماماً سمى بعضهم تماسيح وعفاريت، لقد وقفوا يرمقونه بنظرات الغل والكره وهو يخوض حربه الدونكيشوتية، يخوضها ضد أعداء وهميين والعدو الحقيقي التحكمي معروف من القاصي والداني، لكنه لا يملك أن يسميه عدواً.

أمضى القائد الهمام عهدته، وسار بسفينته إلى مرسى السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2016، بدا كل شيء ضده في تلك المحطة، فقد جاءوا بربان منافس على متن جرار قوي، وأصدر برج المراقبة أمراً لمدير المرسى وأعوانه بتسهيل مهمة الجرار حتى نستكمل الرحلة على متنه بدل السفينة المهترئة، وبذلوا في سبيل ذلك الأموال الطائلة وحشدوا القبائل والأعيان، فما كان للرجل من سبيل سوى ذرف الدموع والعزف على وتر المظلومية، وتجديد الوعود والعهود بمحاربة الفساد واستكمال الإصلاح.. وكذلك كان: الشعب يريد إسقاط الاستبداد وما من بديل آني سوى قائد السفينة السابق، فقد شفع له أن ثيابه ما زالت بيضاء ناصعة، ويداه ما امتدتا لخزائن السفينة، وهو أمر ما عهدناه فيمن سبقوه.

جن جنون مدير المرسى وأعوانه، وأصاب الجرار عطل أوقف محركه عن الدوران، وخرج القائد منتصراً، وقف في لحظة زهو وقوة بباب السفينة، وصدر الأمر من برج المراقبة: بنكيران مَن سيعاود القيادة وعليه استكمال فريقه ليقوم بمهمته، في هذه اللحظة مال الميزان والكتاب في كفته، وعلى غير ما توقع المسكين تحولت الحمامة الوديعة إلى كاسر متوحش، يقود جمعاً من الانتهازيين ويردد لازمة: إذا كنت قائداً فنحن الفريق، فأرنا كيف ستقود من دوننا؟

حول برج المراقبة نظره نحو المياه الدولية في سبيل ترسيم جديد للمياه الإقليمية، وبدا غير مكترث بما يجري في الميناء؛ حيث السفينة راسية منذ 7 أكتوبر، ولما احتاج أن تعلن وجودها هزَّها في هدوء؛ ليكتشف العالم الخارجي وجودها، ثم عادت لسكونها.

عندما نستفيق اليوم، نجد أنفسنا نخوض في بحر عميق، وللغرابة فإن الأفق أكثر عتمة من موضع سفينتنا، بل لا نملك خط سير ولا فريق بحارة قادراً على تجاوز المطبات والعواصف الهوجاء التي تنتظرنا.

خلاصة القول: لسنا أهلاً لنختار قائد السفينة، فليعين برج المراقبة مَن يشاء، فهو الأدرى بمصلحتنا والأحرص عليها منا.

السفينة خُدعة كبرى، كل عام ونحن مخدوعون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.