المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر يوسفي Headshot

أزمة الطالب المغربي: بين جحيم الامتحانات وثقل المسؤوليات

تم النشر: تم التحديث:

ماستر "الثقافة واللسانيات" بالقنيطرة أنموذجاً

تعد المحطة الجامعية الثانية، المتمثلة في سلك الماستر عتبة الحلقة الأهم في مشوار كل طالب جامعي يتوق لإكمال مساره الأكاديمي/الجامعي.
كيف لا وهي تجربة تسمح للطالب أن يواصل مسيرته العلمية وتقدمه المعرفي بعد الإجازة، والتي تتطلب من المترشح اجتياز بعض العقبات من قبيل قبوله في لائحة المترشحين لاجتياز الامتحان الكتابي ومن بعده الامتحان الشفوي، إن هو وُفق في ذلك.

يرغب أو يحاول الكثير من الطلبة المجازين إكمال دراستهم في سلك الماستر، لكن ما يخفى على الكثير من هؤلاء هو أن الدراسة في هذا السلك ليست بنفس وتيرة سنوات الإجازة؛ إذ إنها تتطلب كفاحاً ونفَساً عميقاً وصبراً طويلاً.

فالأكيد أن تجربة كهذه لا ولن تكون مفروشة بالورود كما يعتقد البعض، خصوصاً حينما يسمع طالب الإجازة مثلاً أن عدد الأيام التي يدرس فيها طلبة الماستر -على الأرجح في غالبية المسالك- هي فقط خلال نهاية الأسبوع أو يومين أو ثلاثة، كما هو الحال في ماستر "الثقافة واللسانيات"، الذي سأتناوله بالتفصيل.

من بين الأمور الشائعة التي لا يقبلها العقل أن تجد طالباً مجازاً على عتبة اجتياز امتحان الولوج إلى سلك الماستر، وليس في جعبته رصيد ومخزون معرفي محترم، فهذا حقاً يطرح عدة تساؤلات حول مدى قدرة الطالب على الاستفادة والتحصيل من هذه التجربة، بل الأكثر من ذلك هو أن هذا الطالب قد يتفاخر بأنه لا يقرأ إلا في حالة ما إذا كان ملزماً باجتياز الامتحان، وهذه من بين الأزمات التي يعيشها الطالب المغربي اليوم، أزمة عدم القراءة وإهمال البحث في مختلف المصادر والمراجع.

فمن واقع تجربة شخصية، فإن الحصول على مقعد بماستر اللغة الإنجليزية مثلاً الموسوم بـ"الثقافة واللسانيات" بجامعة ابن طفيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، بدون قراءة مجموعة من الكتب والدراسات المتخصصة في مجال اللسانيات بمختلف فروعها (علم الصوتيات، النحو، علم المعنى.. الخ)، والثقافة وعالم السياسة، والأدب الإنجليزي، والأدب الأميركي، والفن، والميديا، والدين، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، ودراسة النوع، وثقافات الشرق والغرب.. ومشاهدة مجموعة من الأفلام والمسرحيات.. سيكون مجازفة لأي طالب يسعى للدراسات العليا في هذا المجال، وهذا ينطبق أكثر على الذين ينوون التخصص في مسلك "الثقافة" خلال السدس التاسع (أي السدس الثالث) في هذا الماستر.

لكن السؤال هو: لماذا يجب توافر كل هذه الشروط في الطالب الحامل لشهادة الإجازة خصوصاً في المسلك سالف الذكر، أي "الثقافة" أو "الدراسات الثقافية"؟

هناك البعض ممن قد لا يتفق مع ما قيل، ولكن شئنا أم أبينا، فهذا واقع يفرض نفسه بقوة ويجب الاعتراف به من أجل البناء والتقويم والسير إلى الأمام، والذي يزكي ويؤكد هذا الطرح هو عندما يقول أستاذ في إحدى محاضراته لطلبته عبارة من قبيل "you are ignorant"، أي أنتم جهال (على الأقل في أشياء من المفروض أن يكونوا ذوي إلمام بها كطلاب باحثين) أو "ou should/must know this person/it" (من الواجب أو المفروض أن تكونوا على علم بهذه الشخصية أو هذا الشيء) لأكبر دليل على هذا التقصير والعجز المعرفي لدى طالب اليوم.

قد يوجد هناك أيضاً من سيعارض هذا الطرح، ويقول مثلاً إنه قد نجد الكثير من طلبة الماستر لم يقرأوا عدداً مهماً من الكتب ولم يشاهدوا الكثير من الأفلام، وعلى الرغم من ذلك ينالون نقطاً جيدة ويحصلون على شواهد عليا، ويتخرجون في الجامعة بشهادة عليا اسمها "الماستر" في اللغة الإنجليزية.

طبعاً هذا صحيح، فيمكن لأي طالب يتقن بعض الشيء عملية الحفظ عن ظهر قلب أن يحصل على نقط جيدة والكل يعرف هذا، لكن هذا الجواب قد يؤتي أكله فقط في الجانب المتعلق بالتحصيل الدراسي واللهاث وراء نقط لا تسمن ولا تغني من جوع.

ولكن ماذا عن الجانب المعرفي للطالب؟ هل لديه ثقافة ومعرفة محترمة؟ هل ينتج المعرفة داخل وخارج الفصل؟ بل الأهم: هل يرى نفسه (هذا الكائن المثقف الحاصل على شهادة الماجيستر) قادراً على الذهاب بعيداً إلى ما بعد الماستر أسوة بزملائه الأكفاء؟ بعبارة أخرى، هل إذا ترشح إلى سلك الدكتوراه مثلاً سيتم قبوله وبدون مساعدة من أي جهة خارجية؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي يجب أن يطرحها الطالب الباحث على ذاته.

إن عدم توافر هذه الشروط سيجعل الطالب الباحث يجد نفسه داخل القاعة جاهلاً أمام ثلة من الطلبة المتميزين، لا هو قادر على مسايرة إيقاع زملائه ولا هو قادر على استيعاب ما يقوله الأستاذ داخل الفصل.

فالطالب الذي يقرأ يمكن تمييزه عن الطالب الذي لا يقرأ بكل سهولة، كما هو الشأن بالنسبة للمهتم بالأفلام مقارنة مع من لا يكترث لمشاهدتها، وسبب ذكر الأفلام هنا راجع للتعامل مع لغة أجنبية كاللغة الإنجليزية.

فلا يمكن للمتعلم أن يتقن لغة ما بدون المشاهدة أو السمع، هذه الملكة أو القدرة على السمع هي ما صاغه اللسانيون التطبيقيون في نظريات هامة كنظرية "ستيفن كراشين Stephen Krashen" والتي عادة ما تعرف بفرضيات المُدخل Input Hypothesis، والتي هي "باراديم" بارز في اكتساب اللغة الثانية.

أخيراً وليس آخراً، أود أن أستشهد هنا بمقولة مهمة قالها لنا أستاذ مادة "سوسيولوجيا الفن" الدكتور يوسف أمين العلمي، خلال آخر حصة من الدورة الأخيرة.. أترجمها من الإنجليزية للعربية على النحو التالي: "حاولوا أن تنتجوا نظرياتكم بعد الماستر؛ لأنكم الآن فقط تستهلكون"، كما قال نفس الأستاذ السنة الماضية في مادة "النظرية النقدية" على أن الماستر هو العتبة التي يمكن للمرء أن يصبح فيها مفكراً.

إذن بعد هذا الكلام، هل يمكن القول إن طالب الماستر قادر على السير -خلال مرحلة "ما بعد الماستر"- بخطى ثابتة لإنتاج المعرفة؟ هل الطالب الحاصل على الماجستير خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية قادر على أن يستغل ملكة التفكير النقدي التي اكتسبها في التعليم العالي، لكي يصبح مفكر المستقبل أو المثقف العضوي بتعبير أنطونيو غرامشي، والشمولي بتعبير ميشال فوكو، والأصيل بتعبير علي شريعتي، والثوري بتعبير محمد عابد الجابري.

بناء على هذا، فالموضوع الأساسي لطالب الماستر هو الطالب الباحث نفسه، فمن غير الممكن أن تحل أي مسألة، قبل أن تصل إلى تعريف واع ومنطقي وصحيح لـ"الطالب الباحث المثقف"، وإذا لم نحدد مفهوم "الطالب الباحث"؟ وكيف ينبغي أن يكون؟ أي إذا لم يكن لدينا تصور واضح متفق عليه حول حقيقة هذا "المفهوم"، فإن جميع مساعينا للنهوض بالثقافة، وإصلاح التعليم، والارتقاء بالتربية، والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، ستكون مجرد عبث.