المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر راشد  Headshot

هل تريد إنهاء المشاكل معها.. معه.. معهم؟!

تم النشر: تم التحديث:

لا يوجد بيت أو عمل أو أي مؤسسة تخلو منها المشاكل. لكن، دعونا نفكر قليلاً كيف نتعامل معها، ودعونا نقرّب الأمثلة وندخل على غير استحياء إلى بيوتنا.

أعتقد أن المشكلة هي كائن حي غير قابل للموت وليس عليك أصلاً أن تقتله؛ بل عليك أن تتعلم أن تروِّض هذا الكائن وتتعلم كيف تديره بنجاح وإلا فسيتمرد هو عليك فلا تعرف متى وكيف يمكن أن تخمده.

مجرد فكرة إنهاء المشاكل هي في حد ذاتها خاطئة؛ لأنها بطبيعة خِلقتها لا تنتهي، وسيتضرر عقلك بألم الإحساس بالفشل في إنهائها، وستتضرر العلاقة التي سيكون شعارها الدائم "لن نستطيع أن نكمل معاً بهذا الشكل"؛ لأننا اقتنعنا بعجزنا عن تحقيق هدف ليس علينا وضعه أصلاً كهدف؛ لأنه غير قابل للتحقيق، وستظل تراودك أفكار شيطانية بأن الحياة لا يمكن أن تستمر بهذا الشكل مع وجود تلك المشاكل المستمرة.

فكِّر الآن فيها، تذكَّر آخر مشكلة دارت بينك وبين زوجتك، أو بينك وبين صديقك أو والدك أو أي شخص على علاقة طويلة معه وما زلت، كيف كانت مشاعرك ساعتها صاخبة وأفكارك سوداوية، وظننت أن الأمر قد انتهى ولا عودة عن قرار التوقف عن هذه العلاقة، ثم، ما الذي حدث بعدها.. إنها تستمر!

إنها المشاكل قد حدثت من قبلُ واستمرت علاقتنا؛ بل وخرجنا من المشكلة، وربما في بعض الأحيان خرجنا أفضل، وأحياناً أخرى ليس بالأفضل، لكننا خرجنا منها.. أليس هذا في حد ذاته إنجازاً، لقد هدأت وخمدت المشكلة وأصبحت من دون تأثير الآن؟ أوَليست هذه المشكلة هي نفسها التي كنا نظن أنها لن تنتهي؟!

لقد دخلنا فيما يشبهها من قبلُ وخرجنا منها، فلماذا نظن الآن أن القائمة لن نخرج منها أو نحلها؟! لكنها قابلة للحل، إنها سيكولوجية المشكلة، فالعقل يركز في اتجاه التفاعل الحالي دائماً، فتشعر لحظةَ السعادة بالنشوة ولا تعرف كيف أو متى ستنتهي، وتشعر لحظة الغضب بالانفعال الشديد ولا تعرف كيف ستهدأ إلا بعدما تهدأ، وتشعر ساعة المشكلة أيضاً بالأمر نفسه.

فالعقل سيركز في اتجاه المشكلة لتكون مسيطرة على تفكيرك ومكانك وزمانك فيضخمها ويحولها لمشاعرك، لتترجمها سلوكياتك لتكون في تلك اللحظة شخصية أخرى، وفِي كل طور تتكون شخصية مختلفة، وفِي بعض الأحيان قد لا تتعرف على نفسك في بعض الأطوار الغريبة التي يدخلك إليها عقلك.

ولكن، كيف أتعامل مع ذلك؟ الأمر ليس بالصعب، ولكنه يحتاج للتدريب، تعلَّم أولاً أن تدير عقلك؛ لكي تستطيع أن تدير المشكلات، وتدريب العقل مثل تدريب العضلات يمكن أن تقويه وستُذهل بنتائج تدريبك له بعد فترة.

أما عن المشكلات، فلا تحاول أن يكون هدفك أن تنهيها، ولكن تدرَّب على إدارتها وليكن هذا هو الهدف. وللوصول لهذا الهدف، حاول باستمرار أن تفصل نفسك عن الموقف باستخدام خيالك؛ فخيالك له قدرة فائقة في التأثير على الواقع، كالذي يتخيل أنه مات ويجد نفسه يبكي وهو في الحقيقة ما زال حياً، أو الذي يتذكر لحظات سعيدة من الماضي ليجد نفسه مبتسماً تلقائياً في الحاضر ويشعر بتلك السعادة التي ولدها له خياله.

إنه جمال الخيال وخطورة استخدامه الخاطئ في الوقت نفسه، فلْتخلق شيئاً مختلفاً لحظة وجود مشكلة، وسأخبرك بمثال واقعي غريب نوعاً ما، يمكن أن تستخدمه، ولكن نتائجه ستكون لك مُرضية جداً؛ جرب هذا الآن.

تخيَّل شخصاً يستفزك دائماً وضعْه في خيالك، ركِّز الآن على صورته ووجهه المستفز، ثم حرِّك أذنيه، اجعلها ترفرف أمام عينيك الآان في خيالك.. سيكون وجه هذا الشخص مضحكاً لك الآن بدلاً من أن يكون مستفزاً.

ماذا لو استطعت أن تفعل ذلك في الموقف نفسه؟ لن تغضب ولن تفقد أعصابك؛ لأنك تدير عقلك الآن بما تريد لا بما يريد، ومن منا يريد أن يفقد أعصابه؟!

وأخيراً وليس آخِراً؛ تعامَل مع الطرف الآخر على أساس دوافعه وليس تصرفاته المباشرة، فكما يقول علماء النفس: لكل تصرف دافع إيجابي خفي، إذا استطعت أن تتفهم الدافع الذي يجعل زوجتك تصرخ وهو أنها تحتاج إلى حنانك أو تحتاج لك بشدة لتهدئتها الآن، وركزت على ذلك- فستتصرف بشكل مختلف تماماً معها في لحظتها، وستتفاعل مع دافعها الخفي ليس مع تصرفها الظاهر.

المشكلة ليست في وجودها ولكن في كيفية ترويضها، إنها مِلح الطعام، رغم مرارته فإن الطعام لا "يحلو" إلا به.. روِّضوا عقولكم تسعد قلوبكم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.