المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر مدخلي Headshot

أزمة ضمير!

تم النشر: تم التحديث:

إن التساؤل أعلاه لا يقصد الإشارة إلى ضمير الفرد.. بل يستهدف الضمير الجمعي صراحة، لذلك جرى التنويه.

إن كل فرد يتمتع بضمير (يزيد وينقص) وهو الذي ينام حيناً ويكون يقظاً حيناً آخر.. ولكن في وقتنا العصيب الذي نصارع فيه الإرهاب والعنف والجريمة نجدنا كمجتمع في حلبة صراع (ضارٍ وعنيف) مع شياطين الفساد.. وكل هذه الصراعات قد اشتعلت في غفلة الضمير المجتمعي الذي طال به السبات.. ولانزال نحاول إيقاظه بمحاولات بائسة من خلال خطبنا المسجوعة وأشعارنا المقفاة وشعاراتنا الرنانة ومقالاتنا التنظيرية التي قد يسقط في دوامتها مقالي هذا.

كل هذه الوسائل لا توقظ الضمير بل تزيده غرقاً في نوم هانئ يتقلب ذات اليمين وذات الشمال والشيطان باسط ذراعيه.. ونوم الضمير لا يعني بالضرورة (الموت) لكنه يشي باحتضاره وينبئ عن انتحاره أمام سبع الفساد الشبق والإرهاب المتخبط، وهما جندا الشيطان الذي يحولنا إلى (ماريونيت) ويتلاعب بنا لنكون دابة عجماء تدفع الساقية في دائرة لا ابتداءً لها ولا منتهى مغلوبين منهزمين، فأعظم إنجازاتنا هو في الواقع (أضعف الإيمان).

س: من يوقظ ضمير المجتمع؟

لم يأت هذا السؤال اعتباطاً.. بل هو تحليق في الفلسفة الاجتماعية أنطلق إليه وأتعمق.. كون أهمية هذا السؤال مكتسبة من شمولية الضمير كقاسم مشترك بين أفراد هذا المجتمع ويتكون كوحدة قائمة بذاتها من حزمة ضمائر الجميع.

وإذا كان ضمير الشخص يستيقظ بالوعي أو الوعظ أو الدراما أو الردع أو الإلهام..
فبالنسبة لضمير المجتمع (عندما يغفو) من الذي يوقظه؟

عندما حاولت الإجابة عن التساؤل (المرير) تنقلت بين الإجابات التي وصلتني على تويتر وتجاذبت معها وداولتها في مخيلتي وحتى توصلت إلى إجابة أعتقد بصدقها وأرى أنها تستطيع أن تضخ اليقظة في ضمير المجتمع ولا تأخذه سنة ولا نوم.. ألا وهي العدالة الاجتماعية!

إن أزمة الضمير متلازمة الانحطاط وتعويذة الرجعية، والعدالة مصل لسموم التراخي وداء يقي من الانهيار وسر عظيم من أسرار الكرامة والقوة والبقاء.. وهي ثروة لا تفنى.. متى تحققت العدالة في مجتمع نهض وارتقى وتفوق في جميع مقومات الحضارة.

والعدالة لا تأتي إلا بتكاثر الجهد الفردي (الضمير الواحد) وإيمان عناصر المجتمع بضرورة المشتركة في واجب النهوض، فيأتي العمل الجماعي حاملاً لرؤية طلائعية استراتيجية مكوناً سباقاً بين أنساق المجتمع لبناء نماذج متفوقة تلبي الحاجة إلى العيش الذي يضمن حقوق الإنسان والعدالة في بيئة تمارس فيها الحياة بشكلها البناء فيرتقي الإنسان أو يعاقب بحسب عمله.. ولا يجد الفرد نفسه خائفاً متردداً عندما يكون شاهداً على مفسدة كي لا يكابر المفسد ويأمن العقاب.

إن مفهوم العدل (قضائي) رباني ينافي الجور والظلم، والعدالة صفة تشير إلى الاستقامة النابعة مما رسخ في ضمير الإنسان وارتبط بكل سلوكياته المادية والمعنوية، ووجود العدل لا يعني وجود العدالة، ولكن العدالة لا تكون إلا في مجتمع يقدر قيمة وأهمية العدل، هو مطلب فردي طرفي ولكن العدالة قيمة اجتماعية وممارسة جمعية.

ج: العدالة ستوقظ ضمير المجتمع!
لأنها حجر الزاوية في هندسة المجتمع؛ لأنها ترتكز على قيم نبيلة كالمساواة والعدل والكرامة وتكافؤ الفرص ونبذ التمييز وتجريم الفساد.

بل ويعتبر العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى العدالة، فبناء على ذلك جاءت المعاهدات والاتفاقيات والإعلانات الدولية لصون كرامة الإنسان ونبذ التمييز وتنظيم الحياة ومآربها.
ولكن البرامج التي يبتكرها البشر لممارسة العدالة الاجتماعية في بلدانهم هي نوع من (إبر المسكنات) للأوضاع المتردية لا تسهم إلا في توريط الأجيال اللاحقة بأزمات تتراكم بيد الآباء والأجداد في مؤسسات تهالكت وتخلفت.

وهي محاولات لا تستحق (غالبا) ما ينفق عليها من جهد مالي وبشري؛ لأن تحقيق العدالة لا يكون إلا بإصلاح المؤسسات القائمة.. لاسيما أن المؤسسات والبرامج الحديثة هشة لن تقوى على محاربة ما تجذّر من خلل المؤسسات (الخشبية).

إذا:
نخلص إلى أن ضمير المجتمع الغارق في سباته تدغدغه شعاراتنا ونداءاتنا ونظرياتنا وأمانينا نحو مجتمع فاضل.. وسيستمر في (شخيره) ما لم تبدأ المجتمعات في تصحيح المؤسسات الرقابية والقضائية والحقوقية.. والخدمية من بعدها، فهذه المؤسسات هي المنطلق الاستراتيجي نحو تصحيح خارطة النهضة وهي كتيبة الحراسة النابهة للأمن الفكري والاقتصادي والاجتماعي.

لأن الرقابة عندما تترهل في مجتمع ما يستسهل أفراده المخالفات ويعتادوا الخطأ، واليوم نعترف بأن بعض التجاوزات أصبحت ضرباً من العرف الاجتماعي، وأضحى النظام مطبقاً للمناسبات الرسمية والفوضى أساس الحياة.

ولأن القضاء ليعالج الانحراف في المجتمع ولينتقل المجرم من يد رقيب حازم إلى يد قاض عادل لتبنى ثقة المجتمع بمؤسسات العقاب والردع ويشعر أفراده بأن الخطأ لا يخامره التمييز وتنطفئ مكابرة المفسدين وينحسر البطش تباعاً.

ولنا في أمم كانت في آخر الركب متخبطة في عصور من الجهل والضلال ولكنها اليوم تتصدر العالم وتتميز بنهضتها المتقدمة.. لنا فيها عبرة ودرس حي في التصحيح الشامل لبناء نموذج مجتمعي لا يتأزم فيه الضمير ولا ينام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.