المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر الدكاني Headshot

في ثنائية الإخوان والعسكر

تم النشر: تم التحديث:

لم تبدأ ثنائية الصراع السياسي في مصر بين الإخوان والعسكر منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كما يعتقد كثيرون، وإنما تعود جذور هذا الصراع تاريخياً لما يزيد عن مائتي عام، وتحديداً مع بدايات القرن التاسع عشر، عندما اعتلى محمد علي عرشَ مصر بمساعدة الشيخ عمر مكرم ورفاقه.

صعد محمد علي إلى القلعة حاكماً لمصر على أكتاف النخبة التي قادت كفاح المصريين لإجلاء الحملة الفرنسية، وأبت بعد ذلك أن يعود الوضع على ما كان عليه قبل الحملة، بعد التضحيات الجسام التي قدمتها، فأرغمت الخليفة العثماني على تثبيت محمد علي والياً لمصر.

هذه النخبة التي كان يمثلها آنذاك شيوخ الأزهر ونقباء الأشراف وعلماء الدين ومجموعات الأعيان لم تجد من محمد علي بعد ذلك سوى التنكر لها ولدورها والتنكيل بها؛ حيث لم يلبث أن بدأ رحلة طويلة في عملية تغيير شامل لخريطة النخبة المصرية لم يعد للإسلاميين فيها موقع الصدارة الذي كان.

ولا شك أن تخلّف هذه النخبة عن استيعاب روح العصر ومواكبته وحسن قراءة الواقع وأدواته السياسية ساعد محمد علي في مسعاه الذي كان الهدف منه الانفراد بالسلطة وتكريسها وتوفير عوامل الأمان اللازمة لها؛ حيث سعى الرجل لتكوين جيش يكون نواة صلبة لدولته، ما أسهم في تشكل نخبة جديدة ارتبطت بهذا الجيش.

تطلب تسليح الجيش وتدريبه على فنون القتال الحديثة والأسلحة الغربية المتقدمة إرساليات وبعثات وترجمات خلقت وظائف مرموقة لطبقات جديدة من المصريين صعدت السلم الاجتماعي مرتبطة بالجيش، وظل هذا ديدن أسرة محمد علي الحاكمة حتى شهدت مصر في عهد الخديو إسماعيل أكبر عملية تحديث وتغريب في تاريخها.

وعندما جاء الاحتلال الإنكليزي زادت عملية التحديث المرتبطة بالتغريب بسبب الهوة الحضارية التي كانت لصالح الغرب آنذاك، حتى بدأت ردات فعل لهذا التوجه التغريبي تظهر في شكل حركات إسلامية مهَّد لها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وغرس حسن البنا بذرتها عندما أسس جماعة الإخوان المسلمين نهاية العقد الثالث من القرن الماضي.

ولأن الجيش لم يكن بعيداً عن التيارات السياسية التي تموج بها الساحة المصرية آنذاك، وعلى الرغم من أنه أريد له أن يكون ركيزة حركة التغيير المجتمعي الضخمة تمكن البنا جزئياً من اختراقه في أربعينيات القرن الماضي حتى إننا سنفاجأ فيما بعد بضباط من الإخوان المسلمين يشاركون في حركة يوليو/تموز إلى جانب زملائهم من الشيوعيين والليبراليين وغير المؤدلجين.

تعاون الإخوان المسلمون مع حركة الضباط الأحرار في بدايتها وأسهموا في الترويج لها بين طبقات الشعب المختلفة، حتى بدأت الخلافات تدب بين الفريقين على خلفية انقسام الضباط الأحرار أنفسهم إزاء الموقف من الديمقراطية والعودة للثكنات حتى حسم الصراع لصالح عبد الناصر، فيما اصطف الإخوان إلى جانب محمد نجيب الذي خضع فيما بعد للإقامة الجبرية، بينما كان مصير الإخوان السجون والمعتقلات والمنافي.

استطاع جمال عبد الناصر أن يقنع الطبقات الفقيرة والمهمشة بمشروعه الوطني، والتفت حوله الجماهير، لكن أزمة عبد الناصر لم تكن في مشروعه، وإنما في مشروعيته التي استندت للقوة والقمع وانحازت للتيار العروبي القومي بمسحة يسارية، وخاصمت الإسلامي المتماهي مع الوجدان العام للأمة، وتجاهلت فرص التوفيق الوفيرة بين التيارين.

ولأن العسكري معنيّ بالسيطرة أكثر من التنمية، وبالشكل أكثر من المضمون، فقد شهدت مصر في ظل حكم العسكر الذي أسس له عبد الناصر ممارسات قمعية ومعدلات تنمية متخاذلة، ما ضاعف من مساحات الفقر التي كان يسعى للقضاء عليها، فيما طبع الشعب بطبائع الاستبداد ومخلفات القهر والفقر والجهل.

وفيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية وهي العنوان البارز في مشروع عبد الناصر، فقد جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ حيث خلق العسكر تدريجياً طبقة طفيلية مستفيدة ونخبة متساندة، فيما تراجعت كفاءة الدولة في مجالات التعليم والثقافة والبيروقراطية الإدارية، وكانت النتيجة أن الشعب لم يجد عدالة اجتماعية ولا تنمية اقتصادية أو مجتمعية.

في المقابل لم تستطِع القوة الرئيسية للمعارضة المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، أحد طرفَي ثنائية الصراع، أن تعبر عن جموع الشعب المقهورة وافتقر خطابها إلى الانحيازات الاقتصادية والاجتماعية الواضحة لهذه الجموع، واكتفى بأدبيات عامة عن الحريات، ونصرة الإسلام، وعمل اجتماعي تكافلي تحت السقف المسموح به من قِبل الدولة، فلم تشعر الجماهير يوماً أن هذه الجماعة هي المتحدث باسمها أو المدافع عن مصالحها.

وشغلت هذه الجماعة الكبيرة تنظيمياً والخاوية فكرياً مساحة كبيرة من المزاج المعارض، وتكفلت أجهزة الدولة العسكرية بتضييق هذه المساحة وتأييفها، وظلت جموع الشعب أسيرة آفاق محدودة لأطر التغيير، فيما انسحقت التيارات الأخرى لأسباب عديدة، منها اغترابها الدائم عن البيئة المصرية، فضلاً عن استغلال السلطة لها، ما أفقدها أي قدرة على الوجود في الشارع، وادعاء تمثيل الجماهير.

بعد يناير/كانون الثاني استغل العسكر الإخوانَ في مشهد تكرر تاريخياً أكثر من مرة حتى تمكنوا من استعادة حكم مصر الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الذهاب إلى جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق، وهو الخطر الذي يبدو أنه دفع العسكر دفعاً للتأييد الحذر للثورة والتحرك الجماهيري الذي كان سبباً في الإطاحة بمبارك ونجله.

لم يستوعب الإخوان السبب الحقيقي لمساندة العسكر للحركة الجماهيرية، ولو حدث لتغيرت حسابات الدفع بمرشح للجلوس على كرسي الرئاسة الذي رفض العسكر جلوس جمال مبارك عليه، فالمؤكد أن الإخوان لم يكن لديهم نية حقيقية للاصطدام بالعسكر حتى إن قياداتهم ترددت نوعاً ما قبل الإعلان عن المشاركة المشهودة في جمعة الغضب.

أعطت مشاركة الإخوان زخماً هائلاً للحشود، وكان لشباب الجماعة الدور البارز في دحر جحافل الفلول عن الميدان فيما عرف بموقعة الجمل، التي كانت فاصلة بالنسبة للعسكر؛ حيث تحول موقفهم بعدها إلى المساندة الصريحة للثورة، وربما التحرك والضغط أيضاً لإزاحة مبارك، بما يعني أن الإخوان والعسكر كانا سبباً في النجاح الجزئي لثورة يناير في البداية، ولكنهما أيضاً -مع الفارق بالطبع- سبب فشلها فيما بعد.

يخطئ مَن يظن أن الثورة المضادة التي قادها العسكر نجحت فقط بفضل قدرة العسكر على المناورة والتخطيط الاستراتيجي، فالحقيقة أن الدور السلبي للإخوان كانت نتائجه أيضاً وخيمة، وإذا كانت الثورة المضادة نجحت بفعل العسكر بنسبة 50%، فقد تكفل اللافعل الإخواني أو الفعل في الاتجاه الخطأ بالنسبة المتبقية، وهذا لا يعفي بالطبع التيارات والقوى الأخرى، لكن الحقيقة أن تأثيرها في المشهد لم يكن كبيراً في مجمله.

لقد تكفلت قيادات الإخوان المسلمين بعمل كل شيء يمهد الأرض لعودة قوية للعسكر، رغم أنهم كانوا يسعون بإخلاص لتجنب ذلك، وكانوا يرونه كابوساً يتعين تجنبه، وفي الذاكرة أحداث 54، لكن مسارات تجنب عودة العسكر كانت كلها خاطئة ومعاكسة، والسبب قلة الوعي السياسي، والرغبة في الاستقرار السريع، ومحاولة الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويعها رويداً رويداً.

تحولت ثورة مصر وحلم شعبها في التغيير إلى صراع سلطة بين الإخوان والعسكر، ووجدت الجماهير نفسها مضطرة للاكتفاء بمتابعة هذا الصراع الذي شعرت أنه لا يخصها، وذلك بسبب فشل جماعة الإخوان في إقناعهم بأنها تمثلهم أو تدافع عن مصالحهم.

ويظل المخرج من هذا المأزق مرهوناً بظهور جيل جديد ينأى بنفسه عن هذه الثنائية، ويمتلك خطاباً جماهيرياً ينسجم مع الوجدان العام الذي يمثل الدين ركناً واسعاً فيه، ويدافع في الوقت نفسه عن حق كافة طبقات الشعب في الحرية والكرامة الإنسانية، ويتحدث عن عدالة اجتماعية كفيلة بإحداث التنمية المنشودة عبر إعادة توزيع الثروة، وحسن توظيفها، وخلق بيئة صالحة للإبداع والتقدم.

جيل يتبلور في كيان جديد يشعر المصريون أنه يمثلهم، ويدافع عن مصالحهم، ويتحدث باسمهم، ولا يتمايز عليهم بتدين أو بحماية أو بدعاوى وطنية زائفة، وإنما يحلم لهم، ويشاركهم أحلامهم واهتماماتهم، ولا يفرض عليهم مشروعه ولا اهتماماته، وإنما يشعرهم باختصار أنه هم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.