المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين مدكور  Headshot

العلاقات المدمّرة: هل الضحية مسؤولة عن الأذى واستمراره؟

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: التدوينة بالعامية المصرية

بعد ما عرفنا إيه اللي بيحصل جوه العلاقة المدمرة، وعرفنا إن العلاقات دي متسمية بالاسم ده؛ لأنها بتدمر نفسية وثقة الشخص في نفسه وأفكاره وحتى الكلام اللي بيقوله لنفسه.

نقدر نبتدي نرد على السؤال اللي في العنوان: هل الضحية مسؤولة عن الأذى اللي بتتعرض له؟

الضحية مش مسؤولة عن الأذى اللي بتتعرض له؛ لأنه لو اعتبرناها مسؤولة عنه فده معناه إنها:

عارفه إنه أذى.
عارفة إنه أذى مش حاجة تانية.
عارفه ومصدقة إنها الطرف الضحية في الأذى ده.
عارفة إن فيه بدايل غير الأذى ده.
قادرة على إيقافه مادياً ومعنوياً.
جاهزة لإيقافه نفسياً وعاطفياً.
متوفر لديها مصدر/مساحة أمان (الأهم على الإطلاق).
السبع شروط دول برضه لو توفروا "كلهم" يخلوها مسؤولة عن مساعدة نفسها، لكن مش مسؤولة عن الأذى اللي بتتعرض له.
وبرضه مش لازم تتوافر كل الشروط عشان تنجو، لأن أسباب النجاة بتختلف حسب كل ضحية والتانية، حسب شخصيتها وحسب تجربتها ودرجة الأذى وأنواعه اللي اختبرته.

طيب.. خلينا نشوف كده هل كل شرط من دول متحقق؟

عارفة إنه أذى: عارفة هنا إنها عارفة إنه مش من حقه يضربها مثلاً، أو مش من حقه يفتش في موبايلها ولا من حقه ياخد فلوسها، ولا من حقه يحاسبها على اهتماماتها الشخصية....إلخ.

عارفة إنه أذى مش حاجة تانية: يعني عارفة إن ده أذى مش "بيخاف على مصلحتها"، وإنه لما أبوها بيضربها هو مش "بيربيها"، وإن أخوها لما يتهمها في أخلاقها هو مش "بيعمل راجل عليها"، وإن صاحبتها لما بتقلل منها وتستغلها هي "مش محتاجة مساعدتها".

عارفة إنها الطرف الضحية في الأذى ده: لإن ممكن تبقى شايفة إنها مأذية من إنه بيفتش في موبايلها لكن شايفة إن ده سببه إنها بترد على رسايل زمايلها الرجال في الشغل، أو إنها مأذية من ضربه ليها، لكن شايفة إنها لو كانت عملت اللي هو كان عاوزه كان ما ضربهاش، شايفة إنها مأذية من اغتصابه ليها بس شايفة إنها لو داست على نفسها شوية هتنام معاه وهي راضية.

عارفة إن فيه بدايل عن الأذى: إنها ممكن ترتبط بشخص تاني، وإن ده مش الشخص الوحيد اللي رضي بيها زي ما هو بيقولها أو زي ما هي مصدقة عن نفسها، عارفة إنها لو اتطلقت فيه أهل بيدعموها أو فيه بديل ومكان تقدر تتنقل له، عارفة إنها تقدر تشتغل وتصرف على أولادها، عارفة إنها "ممكن وعادي" ترفع قضية طلاق/خلع وما يقللش منها وما يخليهاش ست سيئة.

قادرة على إيقاف الأذى مادياً ومعنوياً: وده باعتبارنا إنها مسؤولة فده يخلينا نسأل إيه اللي في إيدها هنا يخليها ترفع الأذى؟ مادياً هل قادرة توفر بديل لو كان هو اللي بيصرف عليها هي وأولادها؟ هل تقدر تستوعب وتتقبل وتفهم إن الشخص اللي بيئذيها ده ما بيحبهاش، بيحب نفسه وبس؟ هل قادرة تصدق إنه مش هيتغير ولو بعد مليون سنة وإن وجودها واستمرارها في العلاقة دي معناه إنها هتضيع عمرها ويكمل استنزافها؟

جاهزة لإيقافه نفسياً وعاطفياً: ممكن تبقي عارفه وقادرة على كل النقط اللي فاتت بس مش جاهزة، لأن العلاقة نفسها حاجة معروفة، اللي براها مجهول، وعلاقة ضحايا عنف العلاقات تحديداً بالخوف مختلفة تماماً، هما طول الوقت خايفين، حتى لو مش حاسين بالخوف ده بشكل واضح وعارفين يسموه باسمه. الخوف ده من أكتر الحاجات اللي بتخلي ضحايا كتير يبقى عندهم المقدرة والمعرفة الكافية للنجاة، لكنهم خايفين:
خايفين يبقوا لوحدهم؛ لأن الشخص المؤذي في العلاقة دي بيحكم قبضته النفسية عليها، فتحس إن محدش هيحبها غيره.
خايفين محدش يدعمهم ولا يصدقهم، فمحدش هيصدق اللي هي بتقوله؛ لأنها هي بنفسها كانت بتحكي عنه لما ما كانتش شايفة الأذى إنه شخص رائع وجميل.

خايفين محدش يحبهم، لأن العلاقة دي في الأغلب بتبقى مصدر الحب الوحيد المتوفر، إما لأنها كانت من بيت ما فيهوش حب واهتمام وقبول، أو لأن اللي كانوا بيدولها ده في حياتها اختفوا سواء بالموت أو بأي شكل تاني.
خايفين محدش يستحملهم، فترات كبيرة من الأذى بتخلي ضحايا كتير يحسوا إنهم عبء وإنهم ما يستحقوش الدعم ولا الاهتمام ولا إن حد يقف جنبهم ويدعمهم.

خايفين من المجهول، هتعمل إيه مع أولادها لما تتطلق؟ ممكن ياخدهم منها؟ هتعرف تصرف عليهم وتوفر لهم حياة كريمة؟ هل حد من أهلها هيساعدها في الطلاق؟ هل ولادها هيقدروا كونها مطلقة بعد ما تتطلق؟ هل هتعيش لوحدها عشان ما ياخدش ولادها منها لو اتجوزت تاني؟
متوفر لديها مساحة أمان. (الأهم على الإطلاق وهتكلم عنه تحت باستفاضة): متوفر لها مساحة أمان يعني فيه مكان آمن أو علاقة آمنة هتقدر تحكي فيها وتتكلم عن اللي بيحصل معاها من غير ما حد يشكك في كلامها أو يؤذيها أو يلومها أو يحكم عليها أو يوعظها أو يتشرّط في دعمه ليها. أمثلة:
إن صاحبتها تقولها: إنتي اللي جبتيه لنفسك، قولنالك إنتي اللي ما بتسمعيلناش (لوم).
إن أهلها تقولها: استهدي بالله ده شيطان ودخل بينكم، المرأة الصالحة تستحمل/تسجد لزوجها (وعظ).
إن حد يقولها: إنتي ما بتعمليلهوش اللي هو عاوزه برضه تبقى السبب (لوم).
إن حد يقولها: إنتي متأكدة إن ده حصل فعلاً؟ بنبرة تشكيك في كلامها (تشكيك).
إن حد يقولها: يمكن بيتهيألك (تشكيك وإيذاء).
إن حد يتشرط في دعمه ليها: بمعنى إن يبقى دعمه ليها مشروط بفعل معين، لو طلبتي الطلاق أنا هساعدك، لكن غير كده أنا معرفكيش استحملي بقي إنتي اللي عاوزه كده. أنا بدعمك لو سبتيه، لكن لو كملتي معاه ماليش دعوه انتي اللي عاجبك وموافقة بقى.
إن حد يطلب منها "تسكت" (إيذاء).
وللأسف آخر نقطة دي تحديداً (عدم توافر الأمان) بتبقى سبب في إن ضحايا كتير تزيد الغشاوة على عينيهم. بالتالي كإجابة للسؤال اللي في أول المقال، اللي يعرف يبقى مسؤول باللي عرفه، واللي شاف مسؤول باللي شافه، لو مش شايف ولا عارف ما تقدرش تشيله مسؤولية، خصوصاً لو كان الطرف الأضعف، اللي بيدفع أكتر، اللي بيتئذى أكتر.

نتكلم شوية على علاقة الضحايا في العلاقات دي بالأمان:

في الأغلب الضحية بتتربى ضحية من البداية، يعني اللي بتقبل جوزها بيضربها كانت بتضطر تقبل إن أبوها أو أمها يضربوها، واللي كان حتى عندها حد واضح وصريح؛ لأنها مش هتقبل إن جوزها يضربها زي أهلها، فللأسف كونها ما شافتش أشكال الأذى الأخرى اللي كانت بتتعرض لها يخليها "أكثر عرضة" (وليس بالضرورة عرضة) للأذى من غيرها. ومهم أوضح هنا إن الضحية مش قدرها تبقى ضحية، وإن النجاة ممكنة بالفعل لو اتوفرت عوامل كتير من ضمنها معرفة الضحية إنها ضحية من الأساس، وإن نجاتها ممكنة وإيمانها بوجود النجاة دي بالفعل.
خلينا نرجع لعلاقة الضحايا مع الأمان، الضحية زي ما قلت في الأغلب بتتربى ضحية سواء بيربيها المجتمع اللي حواليها أو أهلها إنها تكون ضحية، بالتالي الاعتداء عليها ولو نفسياً في الأغلب بيتم من أشخاص هما بالأساس الموكلين بحمايتها ورعايتها في صغرها.

نوضح أكتر، لو واحدة بتتشتم من أهلها وبتتهان، وأهلها دول هما برضه اللي بيقولوا لها برافو لما بتعمل حاجه "ترضيهم" وتبقى من وجهة نظرهم هي الصح، بتتعلم إنها لما تبقى غلط أو بالأصح "غير قادرة على إرضاء الغير" تبقى تستحق الأذى والشتيمة. وأهلها دول هما اللي بيضربوا وبيأكلوها ويجيبولها اللي نفسها فيه برضه، هنا الشخص اللي يفترض تحس معاه بالأمان أمانه مزيف؛ لأنه بيئذيها.
عشان كده اللي بيتعرضوا للعنف عموماً، والمنزلي خصوصاً، سواء من الأهل أو الشريك (في مكان المعيشة اللي بيفترض يبقى آمن) مخهم إحساسه بالخطر مختلف تماماً من سن صغير؛ لأنه اتربى إن الخوف شيء مستأنس وطبيعي، وإن الدنيا كلها كده، لحد ما يعرف إن ده مش طبيعي، وإن ده مش أمان، وإن الخوف مش حاجة طبيعي إن الإنسان يعيش بيها في حياته اليومية بالشكل ده، وإن الدنيا مش كلها خوف، وإن الشعور بالخوف باستمرار مش حاجة طبيعية؛ لأن التعرض باستمرار للخطر برضه مش حاجة طبيعية.
وبكلامنا عن الأمان خليني أوضح نقطة مهمة جداً، وهي إن إحنا كبشر ما نعرفش نحس بأي حاجة وإحنا خايفين، لما بنبقى خايفين بيبقى صعب مخنا يفكر في حاجة غير الخطر اللي بنتعرض له، بالتالي وجود ضحية جوه علاقة بتتكرر فيها دورة الأذى وتتصاعد مرة ورا التانية، بيساهم في إن الضحية مع إحساسها بالخطر المستمر ده ما تشوفش أكتر وأكتر كل مرة اكتر من اللي قبلها.

فمن عوامل نجاة الضحية من أي أذى وتحولها لناجية هو إنها تشوف الأذى ده:

إحنا كبشر الأذى اللي بنشوفه بنعرف نتفاداه، يعني حتى الضحية اللي شايفة إن مش المفروض صاحبها يضربها بس عادي يزعق لها، هتعرف تحمي نفسها من شريكها اللي بيضربها وهتسيبه، لكن ممكن تكمل مع الشخص اللي بيزعق لها؛ لانها "مش شايفة" من الأساس إن ده أذى، حتى لو آثار الأذى ده مطبوعة في نفسيتها وعلى حياتها.
طيب لو سلمنا بإنها مش مسؤولة يبقي مش هتخرج بقى من العلاقة المدمرة دي وهتفضل فيها للأبد، ولو سلمنا بده يبقى كده مكانش حد خرج!*
لأ مش ده اللي مقصود من الكلام اللي فوق؛ لأن ده يودينا لنقطة تانية...
لو الضحية مش مسؤولة عن الأذى اللي بتتعرض له، أومال هي مسؤولة عن إيه؟
الضحية بمعرفتها إنها ضحية، وإن ده أذى فهي مسؤولة توفر لنفسها باقي شروط المسؤولية والتمكين، مسؤولة تساعد نفسها للخروج من العلاقة دي بالقدر اللي تقدر عليه ومتوفر لها، ومسؤولة عن تبعات قراراتها حتى لو كانت القرارات دي للنجاة من العلاقة المدمرة.
طيب لو خرجت من العلاقة دي ورجعت، تبقى تستاهل بقي ما هي اللي جابته لنفسها، يعني هي عرفت إنها علاقة مدمرة وإنها ضحية وسعت للآخر لحد ما سابته بترجع له ليه بقى؟*
بداية 8 هو متوسط عدد المرات اللي بتسيب وترجع فيه الضحية للشخص المؤذي لحد ما تسيبه بشكل نهائي، وده ممكن ياخد أشكال كتير من إنها تقعد عند أهلها، وإنها تطلب الطلاق وتسيب البيت أو غيره. وده برضه ما يخليهاش ملامة على ده.. ليه؟
فاكرين دورة الأذى اللي بتتكرر وتتصاعد اللي في المقال فوق دي، ما بتنتهيش طول ما فيه أي تواصل بين الضحية والجاني، عشان كده احتمالية إن واحدة ترجع لجوزها اللي فيه بينها وبينه أولاد رغم أذاه بتبقى أعلى من اللي بتتطلق من واحد مفيش بينها وبينه أي حاجة تخليها تتضطر تتواصل معاه تاني بعد الانفصال.

أنا عارفه الجزئية دي صعبة شوية لكن خليني أشرح أكتر، ديناميكيات العلاقة بين أحمد ومنى مثلاً (اللي في المثال اللي في المقال السابق)،ديناميكيات العلاقة بين جان وضحية، خاصة لو الضحية لسه عندها مشاكل في حب وتقدير الذات وصورتها عن نفسها أو لسه عندها شعور بالذنب أو العار من التجربة اللي مرت بيها أو غيره من الحاجات اللي بتواجهها الناجيات من العلاقات المدمرة بأنواعها واللي بالمناسبة بتاخد وقت طويل قد يصل لسنين على ما تترمم وتتصلح وتتغير وبتاخد وقت ومجهود من الناجيات عشان يقدروا يحلوا المشاكل دي ويتعافوا من آثار اللي اتعرضوا له ومبتخلصش أبداً في مرحلة ما بعد الانفصال مباشرة واللي بتبقى المرحلة اللي بيحاول فيها الجاني يبرأ نفسه من أي اتهامات وبيحاول بكل طريقة ممكنة إنه يرجع الضحية تحت تحكمه تاني، واللي ممكن منه يبقى إنه يرجعها تاني. بالتالي أي تواصل بين منى وأحمد في المثال اللي فوق فيه احتمالية إنها تتصرف كضحية. والتصرف كضحية هنا مش شرط يبقى معناه إنها تقبل الأذى، لأن سلوكيات الضحية مش شرط تبقى مرتبطة بس بالأذى، لكن كمان مرتبطة بصورة الذات والحدود الشخصية الضعيفة اللي عند الضحية، واللي بتحتاج تشتغل عليها في رحلة نجاتها وتعافيها، وده برضه الشغل عليه مش حاجة سهلة، ومبيحصلش بين يوم ليلة خصوصاً وإن الضحايا في العلاقات المدمرة بيبقوا في علاقات مؤذية تانية في باقي نواحي حياتهم علاقاتهم.

طب سلوكيات الضحية دي زي إيه؟

التبرير المستمر: بمعنى إنها حاسة إنها مضطرة تبرر اللي بتعمله حتى لو مفيش ما يستدعي التبرير أو الشخص اللي بتبرر له مش مضطرة تبرر له.
الاعتذار كثيراً (شخصية اعتذارية): بمعنى إنها بتعتذر حتى وهي مش غلطانه فعلياً، وحتى لو الحاجة اللي حصلت لا تستدعي الاعتذار أو تكرار الاعتذار.
محاولة إسعاد وإرضاء الآخرين (سلوكيات إسعاد الآخرين): ده مش إنها تبسط الناس اللي بتحبها، لكن ده معناه إنها بتحاول ترضي كل الناس وتحس إنها كمان مسؤولة عن مشاعرهم وسعادتهم ولو مش مبسوطين أو متضايقين تلوم نفسها حتى لو الحاجه اللي زعلانين منها دي مش مسؤوليتها.
التشكيك في الذات وترجيح آراء الآخرين على النفس: يعني أغلب الوقت شايفة إن أكيد الناس التانية بتفهم أكتر أو أكيد هي متعرفش زي ما هما يعرفوا (رغم إن كتير بسبب سلوكيات الضحية بيبقوا بالفعل متفوقين في دراستهم أو شغلهم)، أو سهولة تغيير رأيها وموافقة آراء الآخرين (وده مرتبط برضه بسلوكيات إسعاد الآخرين).
الخناق مع الشخص المؤذي: بما إنها بتحاول تسعد الآخرين أو تنول رضاهم أو موافقتهم فهي ممكن لما تبقي خلاص شافت الأذى تبقى مصرة تشرح وتفهم وتاخد اعتراف من الشخص المؤذي تثبت إنها صح وإنه أذاها؛ لأنها في العلاقة المدمرة تحديداً بتتعود على إنها تاخد منه هو الـvalidation (تبسيط للمصطلح: إنها بتحاول إنه يصدق لها على كلامها وأفعالها ومشاعرها ويوافق عليهم). غير إن أي علاقة بتموت ممكن تكمل بحاجة من تلاتة (الإطعام، الجنس والخناق)، وممكن جداً تكون الخناقات دي شكل من أشكال استمرار العلاقة. (عشان كده أول خطوة في النجاة من العلاقات دي قطع كل العلاقات مع الشخص ده إجمالاً وكلياً وتوافر أشخاص آمنين ثقة مؤهلين نفسياً ومعرفياً بالموقف في حالة احتياجها للتواصل مع الشخص المؤذي لأي إجراءات طلاق أو حضانة أو غيره في حالة وجود أطفال).

بالتالي ممكن جداً الناجية بعد ما خرجت من العلاقة ترجع تاني وتبقى ضحية وترجع للشخص اللي أذاها خصوصاً مع الغضب اللي بيحس بيه ناجيات كتير، ممكن جداً يبقى رجوعهم له أسباب كتير:

غياب شرط من شروط المسؤولية مع عدم معرفتها بالبدايل للشرط ده: وبالتالي ده يخليها عرضة أكثر لأنها تتراجع في قرارها.

غياب الدعم بأنواعه: وده بيبقى أساسه الخوف من الوحدة والاحتياج البدائي لسد الاحتياجات الأساسية من الحب والأمان (المزيفين) والمشاركة والحميمية (واللي أساسًا بتاخدهم في العلاقة المدمرة بتمن من أمانها)، لكن أغلب الضحايا بسبب عزلهم بيبقوا وحيدين وخصوصا بعد الانفصال ناس كتير من اللي حواليهم احتمال كبير ما يصدقوش اللي الضحية بتقوله؛ لأن الشخص الجاني في العلاقة عارف يخدع اللي حواليها.

توافر الدعم بشكل خاطئ: الشخص اللي بيدعمها سواء أهلها أو أصدقاءها بيكدبوها، بيبرروا للشخص المؤذي، بيخوفوها على أولادها، بيضغطوا عليها بالحرمان من الدعم المادي أو المعنوي.

توافر الدعم بشكل مغلوط: إنها مثلاً تروح لمقدم خدمة نفسية (سواء طبيب أو معالج أو قائم بالدعم) غير مدرب على حالات عنف العلاقات ويقوم بلومها أو التشكيك في كلامها أو إلقاء اللوم عليها. أو إنها تروح لمقدم خدمة قانونية يقولها معلومات مغلوطة؛ لأنه مش عارف أو مش فاهم في قوانين الطلاق والحضانة، أو يخفي عليها معلومة؛ لأنه مش عاوز يخرب عليها بيتها. أو تروح لعالم ديني يقدم لها فتوى أو رأي ديني يخليها تغير رأيها خوفاً ا من غضب ربنا عليها أو من وقوعها في الإثم أو تحملاَ للابتلاء.

توافر الدعم بشكل ضاغط: الشخص اللي بيدعمها يضغط عليها عشان تتطلق، أو تنفصل أو تسيب صاحبها، أو يقرر لها وده يخليها تكمل اعتمادية بس المرة دي بدل من الشخص اللي أذاها يبقى للشخص اللي بيدعمها، لإنه بيقرر لها، فتبقى مش صاحبة قرارها، وبالتالي تتراجع عنه لإنها مش هي اللي قررته، حد تاني اللي قرر هو لها.
غضب الناجية/الضحية ورغبتها في الانتقام بشكل فعلي من خلال رجوعها ليه، بشكل أشبه بأنها فاكرة إنها لما هترجع له بشروط حادة هترد له الأذى، وده للأسف مبيحصلش وبيبقى في الأغلب رغبة في سد الاحتياج للوجود في علاقة حميمية (لأن النوع ده من العلاقات بيبقى شبه الإدمان).

توهم الناجية/الضحية إمكانية تغيير الموقف أو إيقاف الأذى بسبب معرفتها بالأذى وتمييزه:
بمعنى إنها ممكن تبقى فاكرة إن مجرد معرفتها بإنه بيئذيها خلاص كده تقدر توقف الأذى وهي مكملة معاه، وده مرتبط بالأمل الطويل عند ضحايا كتير في إن "أنا هعرف اوقفه عند حده".
تصديق الضحية لتبريرات الشخص المؤذي أو وعوده أو مداعبته لطموحاتها القديمة من العلاقة (وده بيبقى بسبب إن الشخص المؤذي في العلاقة شخص مخادع وعارف إزاي يأثر عليها؛ لانها كانت ضحيته فترة طويلة وعارف مفاتيح التحكم فيها)، وبيخليها ترجع على أمل إنه يتغير ويحقق لها اللي كان نفسها يحصل في العلاقة دي.
توهم الضحية في وجود شروط للأمان بالرجوع للشخص المؤذي ودي مرتبطة بوعده ليها إنه هيتغير أو إنه يوعدها تعاقبه مثلاً لو عمل لها حاجة، وده برضه ما بيحصلش.
بالأسباب دي واللي كل واحدة فيهم بتحتاج وعي ومراجعة وضبط نفس ودعم من المحيطين، ومع الشغل على الذات وتقديرها وإنهاء العلاقات الاستنزافية والمؤذية الأخرى، الموضوع أكبر بكتير من إننا نلوم الضحية. أنا شخصياً شايفة إن الأحق باللوم لو فيه مساحة للوم من الأساس هو للجاني، على الأقل الضحية مش ناقصة لوم، هي بتلوم نفسها لوحدها، بلاش نفقدها الأمل في النجاة ونشارك في زيادة تجهيلها وعزلها وجلدها في حين إنها مش الشخص المسؤول عن الأذى ولو حتى مش بشكل كامل في نظر البعض!

طيب وإيه تأثير اللوم على الضحية؟

اللوم من مصدر موثوق منه (المقربين والأصدقاء والأهل)، أو من أكتر من شخص أو من شخص مفترض فيه إنه مؤهل للمساعدة والدعم، بيخلي الضحية تبقى في موقف مضطرة تواجه نفسها فيه وهي مش جاهزة لده (لاعتبارات نفسية وعصبية كتير)، ولانها أسهل عليها تلوم نفسها مع إحساسها بالذنب، يخليها تشوف نفسها تستحق اللي هي فيه، وبالتالي ما تتكلمش ولا تحكي تاني عن الأذى وتبقى بدل ما ساعدتها ساعدت الشخص اللي بيئذيها إنه يكمل في استنزافها من غير ما تعرف تحكي عن اللي بيحصل معاها تاني.
طيب تساعدها إزاي طالما مش هتلومها؟
تدعمها بدون شروط: بشكل معنوي ونفسي، وتفكرها إنك موجود تسمعها، وإنك متفهم خوفها ومقدر ثقتها فيك إنها حكت لك ده، وتعبر لها عن تعاطفك ومواجدتك وتقديرك للي بتمر بيه ومتقللش ولا تستهين بيه. والأهم ان كل ده ما يبقاشش مشروط بأي فعل هتعمله، دورك تعرفها الاحتمالات اللي ممكن تحصل من كل قرار ممكن هي تاخده وإيه الاختيارات اللي قدامها.
تساعدها بشكل فعلي: إنك تشوف معاها حلول تمكنها من النجاة فعلياً ومادياَ، مكان تتنقل له، شغل ميعرفش عنه الجاني حاجه، مساعدة مادية مؤقتة، خطة للخروج من العلاقة أو خطة حتى لاكتشاف العنف في العلاقة(النقطة اللي جاية).

ساعدها تكتشف لوحدها وتشوف:

يعني مهما كنت شايف انت اللي شريكها بيعمله معاها مؤذي ممكن هي تشوف إنها بس بتفضفض معاك وإن الموضوع مش مستحق، أو إنها تشوف إنها لو استحملت الموضوع هيعدي أو إنه ممكن يتغير أو وعوده ليها هتتحقق رغم تكرار فشل الوعود دي، كل ده مهما كنت انت شايفه، ما تشوفهولهاش، خليها هي تشوفه، اسألها أسئلة مفتوحة واصبر عليها خليها تجاوب عليها بالوقت والتجربة. ممكن مثلاً لو شايفة إنه هيبطل يشتمها/يضربها، تخليها بس تكتب كل مرة شتمها باليوم والساعة والشتيمة/واقعة الضرب والسبب/المبرر. وخليها تشوف بنفسها حاجة ملموسة ميقدرش هو بعد كده يخدعها ويخليها متصدقهاش. وفيه حاجات كتير شبيهة هتكلم عنها في مقالات كتير جاية ممكن تساعد بيها الضحية إنها تنجو من العلاقة المدمرة.

سيبها هي اللي تقرر (أهم نقطة فيهم):

بالأساس ضحايا النوع ده من العلاقات مشكلتهم الأساسية وأصلها بيبقى إن فيه حد تاني بيتحكم في حياتها، مشاعرها، أفكارها وفيه حد تأثيره عليها كامل، فمساعدتك الحقيقية ليها واللي للأسف أصعب لكنها الأقوى وأكثر وأدوم تأثيراً إنك تساعدها إنها تبقى قادرة ومؤهلة تاخد قراراتها بنفسها وتشيل مسؤولية القرارات دي وبالتالي تحس إن ليها يد فاعلة في مجريات حياتها وتفاصيلها وبالتالي في العلاقة دي، وتدعمها في قراراتها حتى لو كانت قراراتها إنها تكمل مع الشخص ده، تفهم خوفها وحاول تساعدها تحل المشاكل والعقبات اللي بتخليها متخرجش، بدل ما تطالبها باللي هي ملهاش طاق بيه وتتفرج عليها وتحملها مسؤولية اللي بتتعرض له. (والدعم مش شرط معناه الموافقة)
تصدق على مشاعرها وأفكارها: عدم وجودك في علاقة شبيهة من قبل كده ممكن يخليك مش مستوعب حجم الأذى ومدى تأثيره، لأن ببساطة محدش هيعرف ده بشكل كامل غير اللي مر بتجربة متشابهة بشكل كبير مع تجربتها، فتصديقك على مشاعرها وأفكارها هيخليها تعرف تثق فيك وتسمع لك وتشوف البدايل والحلول المتاحة اللي هتقدمها لها أو هتساعدها تكتشفها.

إيجاد الدعم من شخص متخصص ثقة على معرفة بالحالات المشابهة، ممكن يبقى طبيب نفسي أو معالج أو مقدم دعم نفسي، مراكز دعم المرأة وغيرها من الجهات والأشخاص القادرين على تقديم الدعم في الحالات دي سواء بشكل قانوني في حالات علاقات الزواج أو بشكل نفسي. وده مش لأنك مش كفاية تساعدها لكن لأن التواجد في علاقة مدمرة لفترة مهما كانت قصيرة بيسيب آثار نفسية سيئة، من ضمنها وأشهرها الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، ودي تشخيصات نفسية تستوجب متخصص؛ لأن لهم أعراض مرتبطة بإيذاء الذات وميول انتحارية.

أخيراً، بالمقال ده أتمنى تكون الصورة وصلت للي برّه وما دخلش النوع ده من العلاقات إنهم يفهموا إن الموضوع مش ببساطة "ما تسيبه" أو "ما هي اللي ساكتة تستاهل" أو "هي اللي جايباه لنفسها". لوم الضحية مش شرط ييجي من الشخص اللي أذاها، بالعكس في الأغلب ممكن ييجي من الأشخاص اللي بيختاروا يدعموها، واللي فاكرين إن بلومهم ليها بيدعموها واللي فاكرين إن بإنهم يزقوها ويلوموها على قراراتها هيساعدوها على النجاة!

أخيراً، دعوة منّي لأي شخص بيشوف ضحية جوه علاقة مدمرة وبيهم لمساعدتها، حط نفسك مكانها بعد ما تقرا المقال ده، وفكّر في اللي هي بتفكر فيه، وادعمها بدون شروط؛ لأنك مش مسؤول تنجيها، إنت مسؤول تساعدها فقط لو اختارت هي إنك تعمل ده، إنت مش مسؤول عن أذاها، لكن ممكن انت تكون سبب في نجاتها.

ما تخليش غضبك ليها يتحول لغضبك عليها لمجرد إنها ضحية مش شايفة كفاية اللي انت شايفه عشان توصل للنجاة.

- تم نشر هذه التدوينة في مدونة ياسمين مدكور

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.