المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين الحاجري Headshot

كلمة السر "مقدم رعاية طفل مؤهل" !

تم النشر: تم التحديث:

اشتاطت مواقع التواصل الاجتماعي غضباً بخصوص واقعة تعذيب طفل في أحد دور الرعاية على يد إحدى الأمهات البديلات من خلال إجباره على الاستحمام بماء شديدة البرودة في الصباح الباكر.

وعلى الرغم من سرعة تحرك إدارة الدار ووزارة التضامن في إدارة الموقف بمهنية، فإن مثل هذه الواقعة ستتكرر لو أننا لم نقف وقفة صدق مع أنفسنا كمجتمع لديه مسؤولية تجاه هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من نعمة الأسرة، لنتفكر كيف يمكننا حمايتهم من مثل هذه الانتهاكات.

في دور الأيتام والمؤسسات الإيوائية، يقوم بدور الأب والأم "مقدم الرعاية". يُطلق هذا المصطلح على الأم البديلة والإخصائي النفسي والاجتماعي أو المشرف أو المشرفة بالدار أو المؤسسة.

لو ألقينا نظرة سريعة على مهنة "مقدم رعاية الطفل"، والتي هي من أنبل المهن، لوجدنا بعض التساؤلات التي وجب علينا التأمل والتدبر فيها:

1- هل ما يدرسه "مقدم رعاية الطفل" يؤهله للقيام بعمله؟

"النظري حاجة والواقع حاجة تانية خالص"، كانت هذه كلمات بعض مقدمي الرعاية في إحدى ورش العمل. المناهج الحالية في كليات التربية ورياض الأطفال وعلم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، لا تلبي احتياجات العمل؛ فهي تعرِّف الدارس بالنظريات الأساسية وتمكِّنه من تحديد المشاكل السلوكية، وأحياناً النفسية التي يعانيها الطفل، ولكنها لا تمكِّنه من تصميم برامج للتغلب عليها ولا كيفية تجنبها.

أصبح العلم الآن يتجه نحو الـPositive Psychology؛ وهو التركيز على الإيجابيات في الإنسان وتعزيزها وليس التركيز على سلبياته أو انتظار المشاكل إلى أن تحدث وتتفاقم

كما يوجد العديد من المهارات الخاصة بطبيعة العمل التي يجب تضمينها في أثناء الدراسة؛ منها: النقد البنّاء، وكتابة التقارير الموضوعية، وملاحظة الطفل، والاستماع النشط، وأخلاقيات المهنة، والعمل في فريق، فالطفل في المؤسسة الإيوائية يتدخل في نشأته أطراف مختلفة، فلو أن هذه المجموعة لم تتعلم كيف تعمل كفريق لَتشتَّت الطفل.

2- هل تضمن ظروف العمل الحالية مهنية "مقدم رعاية الطفل"؟

لكل مهنة مؤهلات تحدد من يصلح لامتهانها ممن لا يصلح. ومن ثم، يوجد توصيف وظيفي واضح يحتوي على مهام ومسؤوليات يتم مكافأة أو محاسبة الشخص بناءً عليها، ومن ثم، تدرج وظيفي وسُلّم أجور يرتبط بهذا التدرج. والأهم من ذلك، أنه يوجد ما يسمى رخصة مزاولة المهنة.

ولكن مهنة مقدم رعاية الطفل تفتقد هذه الأساسيات، ولذلك تصبح أحياناً كثيرة مهنةَ من ليس له مهنة، ويصبح أي شخص يحب الأطفال "وعايز ياخد ثواب" مؤهلاً ليصبح مقدم رعاية.

فعلى سبيل المثال، يعجز كل من صاحب العمل ومقدم الرعاية على تقييم الأخير؛ لعدم وجود توصيف وظيفي ومهام وظيفية معرفة لكلا الطرفين، ما يسبب الإحساس بعدم الرضا لكليهما.

وفي ظل غلاء المعيشة يعد تدني الأجور، بحجة أنه لا يجوز صرف التبرعات على مرتبات مقدمي الرعاية، وهو أمر غير صحيح، لا يشجع على الإقبال على هذه المهنة.

كل هذه العوامل أدت إلى تسليم الأطفال أحياناً كثيرة لمن هم غير مؤهلين للحفاظ على هذه الأمانة. أما المؤهلين والمخلصين في تأدية رسالتهم، فعددهم لا يتناسب مع عدد الأطفال في الدار، ما يؤثر سلباً على أدائهم المهني وعلى استمراريتهم في العمل. الجدير بالذكر أن أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على شعور الطفل بالأمان، هو تغيير مقدمي الرعاية باستمرار، وخاصة في مرحلة الطفولة.

3- كيف ننظر لمهنة "مقدم رعاية الطفل"؟

نظرتنا تجاه إخصائي اجتماعي يعمل في مدرسة لغات دولية، تختلف كل الاختلاف عن نظرتنا تجاه إخصائي اجتماعي يعمل في دار أيتام أو مؤسسة إيوائية. نظرتنا تجاه المتطوع الذي يزور الأيتام ويأخذ سيلفي معهم، نظرة كلها احترام وإعجاب، ولكنها ليست كنظرتنا تجاه من كانت تربية الأيتام ورعايتهم مهنة له.

مشاعرنا تجاه "مقدم الرعاية" في دار الأيتام بها قدر كبير من الشك، فنحن عادة غير واثقين بنواياه؛ فإما نتجاهله لدى زيارتنا للأطفال ويصبح غير مرئي، وإما أننا نشير إليه بأصابع الاتهام إن حدث أي مكروه للطفل، وإما أننا نعمم السيئ ونغفل الجيد منهم.

فعلى سبيل المثال، لدى زيارتنا لدار أيتام إن طلب منا مقدم الرعاية عدم توزيع الحلوى على الأطفال وتسليمها للإدارة، تجاهلنا مطلبه؛ ظناً منا أنه سيأخذ الحلوى لنفسه، ولربما آذينا الأطفال بتصرفنا هذا.

وإن عاقب مقدم الرعاية الطفل لتأديبه، بما يتناسب مع سن الطفل وخطئه ودون استخدام الضرب، اعتقد الزوار أن مقدم الرعاية ظالم يخلو قلبه من الرحمة، على الرغم من أننا في بيوتنا نعاقب أطفالنا من باب التأديب والتربية؛ أليس اليتيم طفلاً كباقي الأطفال وبحاجة إلى توجيه وتربية؟!

واجبُنا كمجتمع أن نتيح كل المقومات التي تسهم في توفير مقدمي رعاية مؤهلين بدور الأيتام. فلو أردنا خيراً يدوم ويستمر ويؤثر في مستقبل الأيتام، فعلينا أن ندعم تدريب وتأهيل مقدمي الرعاية مهنياً، وهذا ما أجازه الأزهر في فتوى تنص على أن مال الزكاة يجوز صرفه على تدريب القائمين على رعاية الأيتام.
ليس هذا وحسب؛ بل أيضاً دعمهم معنوياً ونفسياً، فالأم التي تربي طفلاً أو طفلين في هذا الزمن تكاد تفقد صوابها من كثرة المسؤوليات، فما بالك بمن يربي 10 أو 20 طفلاً أو أكثر؟! بالإضافة إلى أنه لا يملك الأدوات ولا المهارات ولا المعرفة الكافية لينجح في مهمته.

لو أن الشركات تستثمر في موظفيها لتطوير مهاراتهم وتجديد معلوماتهم من أجل تحسين خدمة أو منتج الشركة، فما بالك لو كان المنتج هو الإنسان.

أما الإعلام، فله دور في تسليط الضوء على أهمية هذه المهنة واحتياجاتها من خلال عرض قصص نجاح لمقدمي رعاية، وعدم تعميم الحوادث الفردية السلبية الناتجة عن مقدمي رعاية غير مؤهلين.

وأخيراً...

على الرغم من حبنا للأيتام وحرصنا على زيارتهم بانتظام أو في الأعياد والمناسبات، فإن هناك حقيقة يجب أن نعيها جيداً؛ وهي أننا لسنا بوسعنا تربية ورعاية الأيتام. فعندما يمرض الطفل، لا سمح الله، ويكون بحاجة لمن يسهر الليل ليداويه، لن نكون هناك. وإذا تعثَّر الطفل في دراسته أو مع أصدقائه في المدرسة، فلن نكون هناك. وعندما يقترب الطفل من مرحلة المراهقة وتحدياتها واضطراباتها، في الأغلب أيضاً لن نكون هناك. الشخص الوحيد الذي سيكون موجوداً هو "مقدم الرعاية".

تحية لكل "مقدم رعاية" كان هناك، وما زال هناك وعازماً على أن يظل هناك، بكل حب وإخلاص، إلى أن يكبر هذا الطفل ويصبح قادراً على أن يعتمد على نفسه وعلى المساهمة في بناء المجتمع.

فتوى الأزهر الشريف بجواز صرف مال الزكاة على تدريب مقدمي رعاية الأيتام

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.