المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين الحاجري Headshot

قبل ما تعمل "الخير" ويرميك في البحر!

تم النشر: تم التحديث:

لحظة "اختيار" أن تكون رسالتك في الحياة هي تولي مسؤولية روح، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو حتى نباتاً مستضعفاً، يتيماً أو مسناً أو مريضاً، وأن تكون أنت راعيه وسنده ومنقذه أو أن تكون جزءاً من حياته، جزءاً من حل ضيقته، هي بكل تأكيد لحظة ليست بهينة.

هذه اللحظة تستلزم كثيراً من الشجاعة وكثيراً من الحب، ولكنها تستلزم أيضاً كثيراً من العقل والمنطق.

اتخاذك لهذا القرار المصيري سيصبح عهداً، فقبل أن "تتعهد" تفكر وتدبر في هذه الأمور الستة:


1. لماذا أريد أن أفعل خيراً؟
شغف وحرص على الثواب والجنة، حب لعمل الخير، أو الظهور بمظهر إيجابي ومتميز في مجتمعنا.. قد تكون هذه بعض الأسباب التي تدفعنا إلى عمل الخير، ولكنها أسباب تحتمل أن تتغير، فقد تأتي يوماً وتتجه للجنة من باب آخر غير باب عمل الخير، وقد تلقي عليك الدنيا ببعض همومها فتلهيك عن عمل الخير، وقد تزهد ولا تبالي لصورتك الاجتماعية في مجتمعك أو تكتفي بما وصلت إليه.

ولكن لو كان دافعنا لعمل الخير هو حق هذا الطفل علينا أو هذا المسن، وأنه كالدّيْن وجب سداده، أو أنه مثل ما قال الملاكم محمد علي: "خدمتك للآخرين هي الإيجار الذي تدفعه مقابل سكنك في الدنيا"، أما كانت احتمالية استمرارية فعل الخير أكبر؟!

تحديد هدفنا ألا وهو "النية" من وراء فعل الخير يترتب عليه تحديد أولوياتنا في الحياة، ورؤيتنا ومشاعرنا تجاه أنفسنا وتجاه من نخدم، ففرق شاسع بين أن نرى أنفسنا أصحاب فضل أو نراها أصحاب ديْن وجب سداده، وبين أن نرى من نساعدهم مستضعفين لا حول ولا قوة لهم، وبين أن نراهم أصحاب حقوق وجب استحقاقها.

فرق شاسع بين أن يكون عمل الخير في حياتنا موسمياً مثل الأعياد والمناسبات السعيدة، وبين أن يكون أسلوب حياة مثل قهوة الصباح التي ندعي أننا لا نستطيع أن نبدأ يومنا قبل تناولها.

2. ما هي إمكانياتي وملكاتي؟
لدى كل واحد منا ملكة تميزه، فمنا فصيح اللسان وحسن الكلام، ومنا الصبور يحب أن يخدم الضعيف بنفسه، ومنا من يبرع في التخطيط، ففي اختلافنا رحمة وتكامل، لذلك وجب علينا تحديد ما نتقن عمله وما نقوى على فعله، وألا نقلل منه لأنه قد يكون أخير وأدوم فليس الخير بكثيره أو قليله، فتذليل ملكاتنا وإمكانياتنا لخدمة الآخرين قد يكون أكثر نفعاً عن اختيار ما لا نتقنه أو نطيقه ظناً منا أنه أكثر ثواباً.

3. هل عمل الخير بالأمر السهل؟
كثير من المتطوعين بالرغم من تأكيدهم الشديد على رغبتهم في خدمة الآخرين وعمل شيء مفيد في حياتهم، إلا أنهم عندما يخوضون التجربة العملية يخيب ظنهم بأن عمل الخير سهل.

الحقيقة أن عمل الخير حلو لكنه ليس سهلاً، فهو بحاجة لاستقطاع وقت من يومك أو حياتك للغير، وهو بحاجة إلى جهد، سواء كان معنوياً أو بدنياً، وهو بحاجة للهمة لبذل العطاء وإلى التزام، والأهم من كل هذا وذاك، هو بحاجة إلى أن تنسى "الأنا" أو بمعنى أصح أن تجعل ذاتك تنصهر بين فريق العمل أو بين من تخدمهم لتحقيق الهدف من هذا الخير.

4. ما هي "جودة" خيري؟
لو أن خيرك له ماركة أو علامة مسجلة، فأي ماركة ستختار؟!
كلنا نعلم أنه كلما زادت جودة السلعة أو الخدمة وكفاءة أدائها، غلا اسمها وثمنها، كما أننا نتفاخر ونسعد كثيراً إن امتلكناها أو كنا من مستخدمي الخدمة.

ولا أتحدث هنا عن كم الطعام الذي ستطعم به، ولا عن ماركة الملابس التي ستتبرع بها، ولا عن مدة زيارتك لمريض أو يتيم أو مسن، بل أتحدث عما إذا كان هذا الطعام أو هذا الملبس ستقبل أنت أن تأكله أو تلبسه أم أنك ستأنف منه!

أتحدث عما كنت ستزور المريض وبالك مشغول بصفحتك على الفيسبوك، أم أنك ستكون حاضراً بجميع حواسك معه، تستمع إلى آلامه وتحاول أن تخفف عنه ولو بنكتة أو ابتسامة أو نظرة ملؤها رحمة ومودة.

يدهشني ويحزنني كثيراً عندما أسمع من أصحاب حملات الملابس والألعاب المستعملة أن كثيراً من التبرعات تكون عبارة عن خردة وكراكيب عز على أصحابها أن يلقوها في القمامة فتبرعوا بها!


5. هل "قيّمت" خيري؟
أحيانا لذة عمل الخير تنسينا أن نقيم أنفسنا، وأن نقيم نتيجة عملنا، فبعد نجاح حملة التبرعات لإنقاذ مريض من خلال إجراء عملية جراحية، نعتقد أنه بمجرد أن وصلنا للمبلغ المطلوب حققنا الهدف، ولكن في واقع الأمر الهدف هو أن ننقذ روح إنسان، فأصبحت تكلفة العملية وحدها ليست معياراً لتحقيق الهدف، ولكن أصبح التأكد من كفاءة الطبيب وجودة المستشفى وتأمين الإقامة والرعاية والأدوية بعد العملية وغيرها من التفاصيل جزءاً لا يتجزأ من معيار نجاح الهدف.

فلو أننا نتدبر مع أنفسنا لدقائق عن مدى تحقق الهدف من الخير الذي صنعناه، سيزيد ذلك من تحسين أدائنا ومن تحقيق نتائج أفضل في المرات التالية، ولذلك تحديد الهدف والنية من فعل الخير قبل البدء فيه من أبجديات فعل الخير.

6. كيف يدوم الخير ولو بعد حين؟
قد تكون الشهرية التي تدفعها لأسرة فقيرة فارقة في حياة كل فرد في هذه الأسرة، وقد تكون زيارتك الأسبوعية لأحد الأطفال في دار للأيتام هو ما يحلم به هذا الطفل باقي أيام الأسبوع، وقد تكون ساعة القراءة لكفيف هي أمله في الحياة.

فكيف نضمن دوام خيرنا ولو بعد حين؟ كيف نضمن أن الغرس الذي غرسناه سيكبر لينبت ويستظل بظله.
فلندل غيرنا على الخير ونحببهم فيه، فاحتمالية استمرارية الخير عندما نكون فريق عمل أكبر بكثير عندما نفعل الخير كأفراد منعزلين ومتفرقين، وعندما نعلم أولادنا فعل الخير لدى الصغر نسهل عليهم العمل بوصيتنا لدى موتنا باستكمال ما بدأناه.

ولا يرتبط دائماً دوام الخير بتكرار عمل الخير ذاته، فقد تعلم أمياً الكتابة والقراءة مرة، فيدوم خيرك كل مرة يقرأ فيها هذا الأمي ويدوم ألف مرة عندما يفيد غيره بما علمته أنت يوماً.

يقول المثل: "اعمل الخير وارميه في البحر"، ولكن قد يرمينا خيرنا في التهلكة، فقد ترشدنا نوايانا الطيبة إلى بداية الطريق نحو أبواب الجنة أو أبواب جهنم! نعم، فالنوايا الطيبة وحدها لا تكفي، فقبل أن نسلك هذا الطريق، الذي أدعو الله أن يكون لأبواب الجنة، علينا أن نتفكر قليلاً في بعض الأمور التي قد تكون بوصلتنا في هذه الرحلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.