المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين رزق Headshot

التمدد الخليجي والاختراق الدولي للقرن الافريقي ج1

تم النشر: تم التحديث:

شهدت السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا وصل ذروته العام المنصرم بالقارة السمراء، وبالتحديد دول القرن الأفريقي، الاهتمام الذي قد يصل أحيانًا إلى حد المبالغة إذا ما قارناه بمبرراته الظاهرية والمعلن عنها، كالإنسانية وإحلال السلام والأخوة واحترام الجوار وغيرها من الشعارات التي لا تُحرك الدول عادة على هذا النحو.

فلم تعد أهداف ذلك السعي الدؤوب من قبل أمريكا وروسيا والعديد من الدول العربية والإسلامية التي انضمت إليهم مؤخرًا بعد أن استفاقت من ثباتها العميق، بالأمر الذي يمكن إخفاؤه تحت عدد من المبررات الواهية، وإقناع عامة الناس بها وبخلوها من المصالح، وخاصة مع تصاعد وتيرة النزاعات والصراعات في الشرق الأوسط والأهمية الجيوسياسية المتزايدة لمنطقة القرن الأفريقي، حيث تسعى جميع أطراف القوى إلى مد نفوذها وسيطرتها عليها لضمان موطأ قدم لها هناك، بما يعزز من موقفها على طاولة اتخاذ القرار ويؤهلها كلاعب أساسي يفرض شروطه على الساحة الدولية.

البحر الأحمر.. الموقع الاستراتيجي:

تضم دول القرن الأفريقي من الناحية الجغرافية أربعة دول أساسية هم الصومال وجيبوتي وإرتيريا وإثيوبيا، تُعد الأخيرة هي الوحيدة من بينهم التي لا تمتلك أي منفذ بحري وبالتحديد بعد استقلال إرتيريا عنها، وهو ما أثر بشكل كبير على استراتيجية موقعها لكنه مع ذلك لم يلغي أهميته.

وتشكل دول القرن ذلك المثلث أو البروز الشرقي في القارة الافريقية باتجاه المحيط الهندي، ومحازاة ساحل البحر الأحمر مرورًا بمضيق باب المندب وخليج عدن؛ لذلك جذبت تلك الدول أنظار ومطامع دول العالم الطامحة إلى السيطرة وبسط النفوذ لموقعها الاستراتيجي الذي يُخول من يسيطر على تلك المنطقة أن يسيطر بالتبعية على المنافذ والمضائق البحرية الأهم في العالم، حيث يعد البحر الأحمر واحدًا من أهم طرق الملاحة في العالم وملتقى أهم نقاط التحكم الاستراتيجي، وقد ازدادت أهميته بشكل كبير بعد شق وافتتاح قناة السويس واكتشاف البترول، ليصبح بذلك المعبر الرئيسي للنفط الخليجي إلى أوروبا وأمريكا وكندا والمنفذ الجنوبي (الرسمي) الوحيد لإسرائيل.

ويتميز البحر الأحمر أيضًا كونه يربط بين قارة أفريقيا وآسيا وأوروبا، ويتصل مع البحر الأبيض المتوسط من خلال قناة السويس التي يمر بها 8-12% من حجم التجارة العالمية، كما يتصل مع المحيط الهندي من خلال خليج عدن ومضيق باب المندب، وهو المضيق الذي يعد رابع أكبر الممرات من حيث عدد سفن البراميل النفطية التي تعبره يوميًا، فعلى سبيل المثال قد مر خلاله حوالي 3.8 مليون برميل نفط بشكل يومي عام 2013، كما تعبر من خلاله أكثر من 21 ألف سفينة بضائع سنويًا تمثل 7% من الملاحة العالمية.

لذلك لم يتوقف الصراع والتنافس الدولي يومًا في الخفاء أوالعلن على منطقة البحر الأحمر عبر الحقب الاستعمارية والفترات التاريخية المختلفة فلا يكاد يخبو حتى يشتعل وإن اختلفت حدته والألوية التي يحملها تبعًا لمجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، حيث غالبًا ما تتجلى أهمية المنطقة بشكل أكبر أثناء الأزمات السياسية والحروب التي من شأنها أن تضر بالمصالح الاقتصادية للكثير من الدول، التي بدورها لم تنسى ما كان عام 1973 عندما أغلقت اليمن مضيق باب المندب بالتعاون مع مصر أمام الملاحة الإسرائيلية أثناء الحرب العربية الإسرائيلية في الوقت الذي كانت فيه قناة السويس قيد الإغلاق أيضًا منذ عام 1967.

وبالتالي توقفت حركة الملاحة تمامًا، مما دق ناقوس الخطر للقوى العالمية التي لم تكن لتقبل أن تخضع لسلطة مجموعة من الدول العربية والأفريقية؛ لذلك شرعت في اختلاق الأسباب وتهيئة المناخ المناسب لكي يتم استقبالها وبحفاوة في تلك المنطقة الحيوية إعمالاً بمبدأ الاحتلال الناعم، وحتى تُشكل بذلك عقبة أمام أي قرارات قد لا تصب في صالحها ومن شأنها أن تمثل ضغطًا سياسيًا عليها، إلى جانب حماية تجارتها عسكريًا والإشراف المباشر عليها بما يحد من السيطرة المطلقة لدول تلك المنطقة وانفرادهم بإصدار القرارات والتحكم في جانب كبير من استثماراتها وإمداداتها النفطية.

وبلا شك، كانت دول القرن الأفريقي هي الحلقة الأضعف بين ثمانية دول مطلة على ساحل البحر الأحمر (مصر، السعودية، اليمن، الأردن، إسرائيل) والموقع الأنسب لتمركز تلك القوى التي ساهمت في إضعاف دول القرن وتدمير اقتصادها، وذلك من خلال تأجيج الصراعات والحروب الأهلية والتمويل الخفي للحروب الحدودية فيما بينهم، ليكون الناتج؛ العداء الإثيوبي الإريتري والتربص الدائم من كلا الطرفين لإعلان الحرب، والخلافات والتوترات الدائمة بين إريتريا والسودان الذي بدوره انقسم في 2012، والحرب الأهلية التي لا تهدأ في الصومال وكان محصلتها ثلاث مناطق تحت الحكم الذاتي داخل الدولة تطالب بإستقلالها، والنزاعات القبلية في جيبوتي التي أدت إلى تدهور الاقتصاد.
لتكون بذلك تلك الأسباب والذرائع هي العامل الأمثل الذي تم استغلاله لينجم عن ذلك العشرات من القواعد العسكرية والقوات الأجنبية والعربية على تلك الأراضي، مقابل وعود بالحماية الدولية ودعم اقتصادي مهما بلغت قيمته لن تعادل حجم الاستفادة الاقتصادية والسياسية التي تُحصلها الدول الأخرى من جراء وجودها العسكري ونفوذها في تلك المنطقة.

جيبوتي:

تعتبر الدولة الأهم بين دول القرن الأفريقي رغم صغر مساحتها، حيث يحدها شرقًا البحر الأحمر وخليج عدن، وتقع على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب وتتحكم به إلى جانب اليمن الذي يبعد عن سواحلها 20كيلومتر.
تسمى جيبوتي (أرض القواعد العسكرية) وينظر لها العديد من المراقبون باعتبارها ملعب القوى العظمى القادم، حيث تضم قواعد عسكرية لخمس دول وتُبدي حكومتها الاستعداد الدائم لاستقبال المزيد، وذلك وفقًا لاستراتيجية رئيسها إسماعيل عمر غيلة الذي يرى في وجود بعض تلك القواعد حماية وقوة تردع أي مطامع حدودية لجيرانه وتضمن له استقلاليته، ويرى في البعض الأخر فائدة اقتصادية لبلاده التي يعيش نحو خُمس سكانها تحت خط الفقر وباتت تعتمد بشكل أساسي على الملايين التي تدرها القواعد العسكرية سنويًا.

وتعتبر القاعدة الفرنسية هي الأقدم في البلاد من بين القواعد التي تعج بها أرض جيبوتي، حيث تعود جذورها إلى حقبة الاستعمار، والتي عمدت فرنسا إلى الإبقاء عليها لضمان نفوذها في المنطقة تحت ذريعة الحماية، في حين تُعد القاعدة الأمريكية هي الأهم والأكبر ليس فقط في جيبوتي وإنما على مستوى القارة الأفريقية كافة، وذلك منذ إنشاءها عام 2002 في معسكر (ليمونيير)، وقد كانت تعتمد في قوامها على 900 جندي فقط أنذاك لتضم اليوم ما يتجاوز أربعة آلاف، وهو العدد القابل للإزدياد بعد أن مددت الولايات المتحدة في 2014 مدة إيجار المعسكر لعشر سنوات إضافية.

تستخدم أو (تستغل) القوات الأمريكية تلك القاعدة في المراقبة الجوية والبحرية والبرية، لكل من جيبوتي واليمن والصومال وإرتيريا والسودان وكينيا، وذلك لمواجهة التوغل الروسي والصيني في المنطقة وفي محاولة منها لإحكام السيطرة على الإمدادات النفطية للعالم الصناعي والقوى المتنامية، إلى جانب حماية حصتها منه والذي يؤدي أي خلل يطرأ عليها إلى زعزعة استقرار اقتصادها ورفاه شعبها.

وفي حين تتعاون القاعدة الأمريكية والفرنسية من آن لآخر في تسيير دوريات المراقبة في البحر، نجد أن تلك الروح من التعاون والتوافق تتبدد عندما يتعلق الأمر بالصين، والتي استطاعت خلال السنوات القليلة الماضية أن تثبت أقدامها في أفريقيا وبالتحديد جيبوتي، وهو ما أثار قلق الولايات المتحدة التي مازالت تخشى من الأثر السلبي للوجود الصيني في جيبوتي على مصالحها بما قد يؤدي إلى إضعاف عملياتها العسكرية المزعومة ضد الجماعات الإسلامية المسلحة في شرق أفريقيا، أو يتعرض إلى عملياتها الاستخباراتية (السرية) في المنطقة، إلا أن ذلك الامتعاض لم يؤثر على قرارات جيبوتي في المضي قدمًا، وتوطيد علاقاتها بالصين التي أراد من خلالها الرئيس غيلة تخفيف ضغط أمريكا على حكومته وتدخلها في قرارته، وهو ما كان جليًا في موافقته المباشرة على الموقع الذي اختارته الصين لقاعدتها، والذي يبعد عن نظيرتها الأمريكية بعشر كيلومترات فقط غير عابئ بغضب أمريكا.

وقد أبرمت الصين رسميًا إتفاقية إنشاء أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها مع الرئيس غيلة في يناير (كانون الثاني) عام 2016، وبدأت في إنشاءها في فبراير (شباط) من نفس العام، تحت ذريعة المساهمة في السلام الإقليمي وتعزيز مهمة حراسة حركة الملاحة في خليج عدن من خطر القرصنة والذي تشارك فيه الصين منذ 2008، وقد سبق خروج تلك الاتفاقية للعلن العديد من الاتفاقيات الأمنية بين البلدين والمعاهدات الدفاعية التي تتضمن تأهيل القوات المسلحة الجيبوتية، بالإضافة إلى تمويل عدد من المشاريع العامة وضخ 60 مليار دولار في مشاريع تنموية أفريقية، كما أنفقت بكين على بناء مقر جديد لوزير الخارجية الجيبوتي حوالي 2.41 مليون دولار؛ ليعقب كل ذلك مؤخرًا إعلان جيبوتي إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في أفريقيا بدعم صيني.

لم يثر النفوذ المتزايد للصين في جيبوتي حفيظة أمريكا فقط، حيث كانت اليابان المنافس الأبرز لها والتي تمتلك قاعدة عسكرية صغيرة في جيبوتي منذ 2009 تترقب تلك التحركات أيضًا وترصد الهدف من ورائها، لتخرج عن صمتها وترقبها في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، معلنة عن نيتها استئجار مساحة أكبر من الأراضي لتوسيع قاعدتها العسكرية من أجل موازنة نفوذ الصين الممتد في أفريقيا، وهو ما سبقه أيضًا بعدة أشهر تعهد اليابان بزيادة الدعم لمشاريع البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية في أفريقيا، والتزمت بتقديم 30 مليار دولار حيال ذلك، وهو الأمر الذي يبرز بشكل أوضح الفائدة الاقتصادية التي تجنيها جيبوتي من تنافس الدول على أرضها.

ولم ينحصر الأمر على الصين واليابان فقط باعتبارهم أبرز من اتجهوا إلى جيبوتي لإنشاء أول قاعدة عسكرية لهم خارج حدودهم، حيث لحقتهم مؤخرًا السعودية التي لم تهدأ حربها المستعرة في اليمن لتكون القاعدة العربية الوحيدة بين القواعد الخمس، والتي بدأت بالتمهيد لها على خطى سابقيها من خلال الأسلوب الأكثر فعالية مع جيبوتي، حيث قدمت لها منحة بقيمة 50 مليون دولار لدعم الاستثمار فيها، والتي أعلنت عنها باعتبارها منحة ضمن إطار مساعدات دول مجلس التعاون الخليجي لأفريقيا والتي تقدر ب200مليون دولار، بالإضافة إلى خمسة زوارق عسكرية بحرية قدمتها إلى قوات خفر السواحل، وسيارات الإسعاف والمروحيات، والمساعدات الاجتماعية الإنسانية، ليعقبها بالفعل في مارس (آذار) 2016 مباحثات بين الطرفين لإنشاء قاعدة طويلة الأجل هناك.

وتسعى السعودية من خلال تلك القاعدة إلى فرض حصار بحري على اليمن لردع إيران، ومنع تهريب السلاح للمتمردين الحوثيين، وتسهيلاً لعملياتها العسكرية ونقل الجرحى والجنود، وهو ما يمكن اعتباره أيضًا تعزيزًا لوجودها في تلك المنطقة بما يوازي قوة إيران المتنامية في إرتيريا، وبذلك تضمن بقاءها الرسمي في جيبوتي مع أحقية استخدام القواعد العسكرية الجوية والبحرية بعد أن كان ذلك الوجود مهددًا جراء الخلاف الذي نشب بين السعودية والإمارات كدول التحالف من طرف وجيبوتي من الطرف الأخر، وذلك بعد أن حطت طائرة عسكرية إماراتية تابعة للتحالف دون ترخيص مسبق في مطار جيبوتي الدولي، مما تسبب في مشادات بين رئيس سلاح الجو الجيبوتي ودبلوماسيين إماراتيين، وطرد قوات التحالف على إثرها من منشأة عسكرية في منطقة هراموس (منطقة مجاورة لمعسكر ليمونيير الأمريكي) التي استأجرها لعملياته، فيما وصل الخلاف مداه وظهر للعلن عندما بادرت الإمارات بقطع العلاقات الدبلوماسية مع جيبوتي في إبريل (نيسان) 2015، لتوجه أنظارها بعد ذلك إلى إريتريا، وتحتوي السعودية الخلاف مع جيبوتي مرة أخرى من خلال تلك المنح والمباحثات التي انتهت بزيارة استكشافية في ديسمبر (كانون الأول) 2016 أجرتها قيادات عسكرية سعودية إلى المناطق المختارة لإنشاء قاعدتها وبدء العمل فيها.

الجدير بالذكر كان عودة العلاقات الإماراتية مع جيبوتي مرة أخرى إلى مسارها الطبيعي في يناير2016 وإعلان جيبوتي في نفس الشهر عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامنًا مع السعودية ودول التحالف العربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.