المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين رزق Headshot

استعباد الشوكولاتة المر

تم النشر: تم التحديث:

لن يتبادر بالتأكيد إلى أذهان الملايين من محبي الشوكولاتة حول العالم أن المنتج الذي ارتبط لديهم بالسعادة وتحسين المزاج قد يكون له وجه آخر يحمل البؤس والشقاء وتاريخ ملوث بجرائم الاسترقاق وتجارة الأطفال، وأن معدل الاستهلاك العالمي الذين يساهمون في ارتفاعه سنوياً يزداد معه بالتبعية عدد الأطفال الذين يعانون حتى الموت في مزارع الكاكاو بإفريقيا، تلك القارة التي يغلب عليها الفقر ولم تتوانَ الشركات الكبرى عن استغلال احتياج فقرائها لتزيد من أرباحها بأقل التكاليف.

حيث أثبتت التحقيقات والتقارير الرسمية أن أكبر 8 شركات منتجة للشوكولاتة في العالم، والتي تستحوذ على السوق العالمية أبرزها "نستلة، مارس، جوديفا، كرافت، هيرشي، كارجل، لندت" جميعها ساهمت وما زالت تساهم في بقاء جريمة استعباد الأطفال رائجة، وفكرها يتغلغل في ثقافة بعض المجتمعات حتى اليوم، وذلك بتورطها في شراء الكاكاو المادة الرئيسية لصناعتها من الحقول الإفريقية التي تعتمد في تشغيلها على الأطفال، دون محاولة فعالة لإيقاف ذلك على مدار عقود لما قد تتكبده من تكاليف إضافية حيث لا مجال للإنسانية في عالم تسطو فيه لغة المال على ما سواها.

الفساد والرشاوى تاريخ يلاحق تلك الشركات

لا تعد تلك الجريمة بالأمر المستحدث بالنسبة لشركات الشوكولاتة الكبرى؛ حيث لطالما ارتبطت أسماء العديد منها بتلك الاتهامات منذ نشأتها، وعلى مدار تاريخها، ورغم ذلك لم تكن الرادع الكافي دائماً لإيقاف نشاطها أو تعطيل غير المشروع منه؛ حيث كانت حِيلها حاضرة دائماً للالتفاف حول الأزمة والخروج منها دون خسارة المستهلكين، منها ما كان في عام 1905؛ حيث أصيبت صناعة الشوكولاتة في بريطانيا بأزمة حادة، بعد أن قام هنري نيفنسون بنشر مقال حول ممارسة الرق في ساوتومي وأنغولا وغانا، واتهم آنذاك شركة "كادبوري" بالتسبب برواج جريمة العبودية.

ولكن ورغم ذلك سرعان ما بدأ الناس في النسيان والتجاهل وخرجت الشركة من كبوتها وتغافل العالم عما يحدث هناك، حتى كان عام 2001 حيث وبعد سعي من قبل اثنين من أعضاء الكونغرس الأميركي وضغط إعلامي اضطر كبار مصنعي الشوكولاتة إلى توقيع اتفاقية كبرى على مضض منهم مع منظمة العمل الدولية أُطلق عليها بروتوكول هاركين إنجل، التي تنص على حظر عمالة الأطفال والاتجار بهم في زراعة الكاكاو، وهي الاتفاقية التي كان من المفترض أن تُنفذ بنودها بحلول عام 2008، لكن ذلك لم يحدث قط، بالإضافة إلى تأجيلها عدة مرات حتى بات أمر تنفيذها المحتمل في عام 2020.

وقد سعت إدارة الأغذية والعقاقير (FDA) في نفس العام (2001)، وعلى اعتقاد خاطئ منها في جدية نوايا تلك الشركات إلى سن تشريع يقضي بوضع علامة دون استرقاق (without slavery) على المنتج الذي لا تتدخل العبودية في إحدى مراحل إنتاجه، ولكن الشركات الكبرى حالت دون ذلك؛ حيث لجأت إلى الرشاوى واستخدام نفوذها لمنع صدور القانون، وهو ما كان بالفعل، فلم تكن تلك الاتفاقية سوى لتهدئة الثائرين وهدنة لتكتسب من خلالها الشركات مزيداً من الوقت لإحكام السيطرة على عقول المستهلكين وإرادتهم الشرائية.

وهو ما دفع المنتدى الدولي لحقوق العمال عام 2005 إلى رفع دعاوى قضائية ضد ثلاث شركات هي الأكبر من بينها، لكن وكالمعتاد كانت دون نتائج تُذكر؛ لذلك وكمحاولة يائسة للضغط على أطراف أخرى قد تكون العامل المؤثر على نهج الشركات وتغيير مسارها قامت بعض المنظمات غير الحكومية عام 2011 عُرفت آنذاك بـ"تحالف الـ10"، بشن حملات ضد تلك الشركات لمطالبة الدول المستوردة بالقيام بدورها من خلال إجبارها على الخضوع لتفتيش مستقل على عملياتهم الإنتاجية، لكن تلك المحاولات كافة باءت بالفشل، أسوة بمن سبقوها؛ حيث لم تكن كافية لإنقاذ أطفال إفريقيا من براثن الرق والاستعباد المستمرة حتى اليوم، فمذاق الشوكولاتة اللذيذ الذي لا يستطيع الكثيرون مقاومته لفترات طويلة كان كافياً ليُنسي الكثيرين مرارة معاناة هؤلاء الأطفال في زراعتها، بالإضافة إلى المغريات التي تُقدمها تلك الشركات باستمرار إلى المستهلكين وتلقى استحسانهم، مما ورطهم في ذلك ولو عن غير قصد، وسيطرتها بشكل أو بآخر على أغلب المنظمات الرقابية والجهات المسؤولة إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي تلتزم حكومات العديد من الدول بالصمت حتى تنال نصيباً منها.

كل تلك الأسباب كانت دائماً كافية لدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام؛ حيث يسعى الجميع إلى جني المال فقط، وهو ما أدى إلى تضاؤل المواقف المناهضة لتلك الشركات بشكل كبير منذ 2011، واقتصارها بعد ذلك على بعض التنديدات من حين لآخر في محاولة لتذكير العالم بأولئك الأطفال الذين ساهمت بلادهم بشكل كبير في تدهور أوضاعهم باعتبارها أحد المستفيدين من ذلك، وإن كانت الحلقة الأضعف في مراحل إنتاج الشوكولاتة، والأقل من حيث العائد الربحي؛ حيث يباع الكيلو الواحد من الكاكاو الخام بيورو واحد فقط بينما بلغت عائدات شركة "مارس" وحدها في 2014 حوالي 33 مليار دولار.

المتاجرة بفقر الأطفال وعائلاتهم

تعتبر إفريقيا وأميركا الجنوبية المصدرين الرئيسيين للكاكاو لجميع شركات الشوكولاتة الكبرى، وتستحوذ غانا وساحل العاج في إفريقيا على 70% من ذلك الإنتاج، بينما تأتي ساحل العاج بالتحديد في الصدارة كأكبر منتج للكاكاو في العالم، وبالتالي الأكبر في حجم تجارة الأطفال أيضاً؛ حيث ينشط تجار الأطفال أو الرقيق في أفقر مدنها، ولتوفير العدد الكافي من الأطفال للعمل في تلك المزارع تتسع دائرة التجارة والشراء لتطال الدول المجاورة التي تأتي مالي جارتها الغربية في مقدمتها من حيث عدد الأطفال الذين يتم بيعهم سنوياً إلى مزارع الكاكاو في ساحل العاج؛ حيث تُعد مالي واحدة من أفقر دول العالم التي تنعدم بها الصادرات، وبالتالي لا يحتاج هؤلاء التجار والوسطاء إلى بذل الكثير من الجهود لإقناع الأسر الفقيرة والمعدمة تلك ببيع أبنائهم أو تأجيرهم كما يروجون للأمر.

لذلك وعلى الرغم من المخاطر التي قد يتعرض إليها الأطفال أثناء عملية السفر غير الشرعي والأذى الذي قد يحل بهم في ذلك العمل، فإن الفقر الذي يعانيه هؤلاء يجعل من المبالغ الزهيدة التي يتلقونها أثناء البيع والوعود الوهمية براتب شهري سبباً كافياً لغض الأبصار عن ذلك، أما من يؤثر سلامة أبنائه على المال ويرفض تلك العروض لا يكون من هؤلاء التجار سوى الالتفاف حول الطفل في عملية أشبه بالخطف؛ حيث يتم إغراؤه بالطعام والمال واستدراجه للسفر دون علم ذويه، وفي كلتا الحالتين لا يُعد الاتجار بالأطفال في مالي عملية سرية بعيدة عن أعين الحكومة؛ حيث يتم نقل الأطفال من خلال محطات الحافلات الرسمية، وعلى مرأى ومسمع من الجميع الذين اعتادوا تلك المشاهد إلى مدينة زيجوا الحدودية؛ حيث تنتظرهم الدراجات النارية هناك لعبور الحدود عبر طرق وعرة وغير رسمية إلى بوجو في ساحل العاج، المدينة التي تسيطر عليها الميليشيات المحلية المتعاونة مع التجار؛ ليتم توزيعهم بعد ذلك على أصحاب المزارع (المشترين).

ومنذ تلك اللحظة تعد الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال في عداد المفقودين؛ حيث لا يُتاح لهم العودة مرة أخرى إلى عائلاتهم التي لا علم لها بأماكن تواجدهم؛ حيث يدفع صاحب المزرعة إلى التاجر ما يقارب الـ230 يورو كحد أدنى لشراء وامتلاك الطفل، وهو السعر الذي يشمل النقل والاستخدام غير المحدود، بالإضافة إلى ذلك المبلغ الزهيد والوحيد الذي تحصل عليه عائلته أثناء عملية البيع، ويعد الأكثر حظاً من بين هؤلاء الأطفال أولئك الذين تمكنوا بعد فترة من الفرار والوصول إلى الحدود هرباً من شقاء واستعباد المزارع التي ما أن تطأها أقدامهم حتى تُطمس حقوقهم ومعالم إنسانيتهم؛ حيث يُجبر الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً إناثاً وذكوراً على استخدام أدوات حادة وحمل أثقال لا تناسب بنيتهم الجسدية، كما يتعرضون إلى الضرب بشكل مستمر في حال ارتكب أي منهم خطأ ولو عن غير قصد، أو تهاون في عمله، بالإضافة إلى ذلك لا يتلقى الأطفال أجوراً باعتبارهم باتوا ملكاً للمزرعة؛ حيث يُقدم إليهم الطعام فقط مقابل 80 - 100 ساعة عمل أسبوعياً؛ ليكون مصير 800 ألف طفل وبحسب إحصائية أخرى 2 مليون طفل أن يقضوا نحبهم في تلك المزارع.

ماذا فعلت الجهات المسؤولة للحد من استعباد الأطفال؟!

منذ عام 1905 وحتى اليوم لم يكن من تلك الشركات والمنظمات الدولية المسؤولة وحكومات الدول المنتجة للكاكاو سوى المواقف المتخاذلة وردود فعل تنم عن سطوة النفوذ على الضمير، حتى بات الإجماع على الخطأ يجيزه، فلم يكن من الحكومات المتعاقبة لساحل العاج سوى النفي المتكرر ومحاولة تحجيم الأزمة رغم تفاقمها على أرض الواقع؛ حيث يرى المسؤولون في توافد الأطفال القُصّر إلى بلادهم دون مرافق من ذويهم أمراً طبيعياً بغرض السياحة، ولعل أقصى ما يمكن أن يتم رصد الحكومة لما تقدمه حيال ذلك هو حينما تُوجَه إليها الاتهامات بالتقصير والإهمال من شن بعض الحملات على تلك المزارع لإبراء الذمة، والتي تنتهي غالبيتها خالية الوفاض لما يشوبها من فساد يسمح لأصحاب المزارع بإخفاء الأطفال قبل وصولهم.

أما دول مثل مالي ونيجيريا وبوركينافاسو والنيجر وتوجو التي تعد بمثابة السوق المفتوحة لبيع الأطفال فلم يكن لها من المواقف ما يُذكر في التصدي لذلك من توعية الأهالي أو تشديد الرقابة على الحدود، أو أي ردود فعل أخرى من شأنها أن توحي على الأقل برفضها لما يحدث؛ ليبقى الدور الأبرز والأهم ذلك المنوط بشركات الشوكولاتة التي تتحمل المسؤولية الأكبر لما تمارسه من ابتزاز للفقراء واستغلال لحاجتهم واستخدام نفوذها في الفساد والرشاوى؛ حيث إن تلك الشركات التي لا تعترف بمسؤوليتها عما يحدث فقط؛ لكون تلك المزارع لا تندرج ضمن أملاكهم لا تُبدي أي استعداد لخسارة ولو مبالغ ضئيلة من الأرباح الهائلة التي تحققها سنوياً، والتي تبلغ 110 مليارات دولار لتنقذ من خلالها هؤلاء البؤساء، فعلى الرغم من أن تلك الشركات والشركات الوسيطة هي الممول الوحيد لمزارع الكاكاو التي تبيع إنتاجها بالكامل لصالحهم وبالتالي المتحكم الوحيد بتلك السوق والمحتكر لها بما يؤهلهم إلى فرض شروطهم على المزارعين، فإن شركات الشوكولاتة آثرت الاهتمام بشروط الجودة؛ حيث تساهم في زيادة الأرباح التي تصب في خزائنها، وتغاضت عن الشروط الخاصة بالعمال لما قد تتحمله من تكاليف إضافية نتيجة تشغيل البالغين، بدلاً من الأطفال، وبالتالي زيادة سعر محصول الكاكاو.

لذلك ليس من الصعب حصر جل ما قدمته تلك الشركات مرغمة لمساعدة الأطفال في إطار اتفاقية هاركين إنجل؛ حيث أنفقت أكبر شركات الشوكولاتة في العالم مجتمعة 6 ملايين دولار سنوياً على مدار تسع سنوات على برامج تعليم الأطفال، والتي حاولت من خلالها توفير التعليم لمن يعملون بالمزارع، الذي بدوره لم يكن له تأثير ملحوظ على حياة الغالبية العظمى منهم؛ حيث لم يكن ذلك سوى للدعاية ومحاولات لتشتيت الانتباه عن البنود الأساسية للاتفاقية التي لم تُنفذ والتي تعتمد في جوهرها على الحظر التام لعمل الأطفال في المزارع، وليس مجرد منحهم التعليم والثقافة الزراعية أثناء استعبادهم لإنتاج كاكاو أفضل لهم.

وبالتالي يمكن تقييم مبادرة التعليم تلك في أفضل حالاتها على أنها مراوغة من الشركات الكبرى لبقاء عمل الأطفال فترة أطول، وبالتالي المتاجرة بهم تحت غطاء وهمي يدعي الرعاية والتعليم، ومحاولة لخداع العالم بمثابرتها لمساعدة الأطفال والظهور بدور المنقذ لهم من أولئك المزارعين الذين بالتأكيد سيحصدون وحدهم دور الأشرار الجشعين، في محاولة أيضاً لإقناع من هم على جاهزية تامة لقبول المبررات والاقتناع بأن أكبر الشركات التي لا يكاد يخلو منزل في العالم من أحد إنتاجاتها وبنفوذها الذي أخرس المنظمات الدولية، لم تتمكن من كبح جماح الطمع الذي تملك هؤلاء الفقراء ودفعهم لتلك الأفعال من أجل المال، وبالتالي يختفي وراء زحام تلك المشاهد الدور والوجه الحقيقي لتلك الشركات في تأجيج الاستعباد والعنصرية واستغلال الفقراء والتشجيع على تجارة الأطفال؛ ليبقى الوجه البريء الذي ألفه الجميع وترسخ في الأذهان ذلك الذي ينشر البهجة والسعادة ويعزز من رفاهية أطفال الدول المتقدمة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.