المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين رزق Headshot

الاعتقالات التعسفية.. الانتهاك الذي شرّعته إسرائيل

تم النشر: تم التحديث:

عُرف دائماً عن إسرائيل حرصها بشكل كبير على استخدام الأساليب ووضع الخطط والاستراتيجيات طويلة الأمد، التي من شأنها أن تحقق أهدافها في أرض فلسطين، وتحافظ على ما حققته دون أن تخسره أو ينقلب إلى نتيجة عكسية حتى وإن سارت تلك الخطة بمعدل بطيء لمدة سنوات، وتأخرت نتائجها في الظهور، حيث لا تهتم أحياناً بتحقيق الأهداف المباشرة قصيرة الأجل بقدر ما تتطلع إلى النتائج الدائمة التي تزيد من سيطرتها على الساحة، وهو ما يعد أحد أسباب وجودها حتى اليوم كقوة احتلال إلى جانب المؤازرة الدولية لها بالتأكيد وارتفاع سقف تجاوزاتها المسموح بها.

ومن أبرز تلك الأساليب التي تتبعها وتأمل أن تلمس نتائجها في المستقبل هي تلك الممارسات التي انتهجتها منذ سنوات ضد الشعب الفلسطيني، والتي تستهدف من خلالها الضغط النفسي والعصبي بشكل مستمر، بدلاً من الأثر الجسدي فقط الذي يزول بعد فترة، بينما يبقى الأذى النفسي لفترة أطول وأحياناً ما يترك خلفه آثاراً تغير من فكر الشخص وقناعاته، وهو ما من شأنه أن يحقق لهم النتيجة التي يرجونها من القضاء على المقاومة وإحباط العزيمة والتسليم بالأمر الواقع بوجودهم وسيطرتهم، وتنازل الفلسطينيين عن حقهم، وهو ما يعد أمنية بعيدة المنال بعد أن فشلوا في تحقيق ذلك بالقتل والتشريد والقصف.
وتتمثل تلك الممارسات في العديد من الانتهاكات، وإن كانت لا تعد ولا تحصى من أهمها الاعتقالات الفوضاوية والعشوائية التي شرّعوا لها قوانين خاصة؛ لتناسب ما تصبو إليه نفوسهم، تحت ذريعة حماية الأمن القومي لإسرائيل، ومنها الاعتقال الإداري؛ حيث يعد ذلك النوع من الاعتقالات في مفهوم القوانين الدولية هو إجراء يتم عند وجود خطر حقيقي يهدد أمن الدولة، وينتهي بانتهاء مسببات ذلك الخطر، وهو القانون الذي ينفذ في حالات الطوارئ كما كان أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، ولكن إسرائيل التي اعتادت أن يتاح لها ما لا يتاح لغيرها لا تتعامل مع ذلك بنفس المفهوم، ومن نفس المنظور كسائر الدول الأخرى؛ حيث اتخذت منه ستاراً لتعتقل كل من يقف أمامها أو يقاومها من الشعب الفلسطيني، ليصل عدد المعتقلين الإداريين في عام 2003 إلى ألف معتقل، وفي الفترة ما بين 2003 وحتى 2012 إلى 19647 وفي 2014 إلى حوالي 189، وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يصل عدد المعتقلين خلال هذا العام وحتى الآن إلى 750 معتقلاً، من بينهم 3 من المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان).

ويعد الاعتقال الإداري من الانتهاكات الواضحة لحقوق الفلسطينيين؛ حيث من خلاله تعتقل قوات الاحتلال كل من تشتبه به دون تهمة محددة ودون محاكمة، حيث يعتمد إصدار الأمر بالاعتقال على ملف سري لا يُسمح للمعتقل أو لمحاميه بالاطلاع عليه، وذلك لعدم وجود تهم من الأساس في غالبية الحالات، وإنما مجرد اعتقالات تعسفية هدفها استعراض القوة وحرمانهم من استقرار العيش وبث الخوف في نفوس الآخرين، وهي محاولات كسر العزيمة التي تبوء دائماً بالفشل من جانبهم، ولا تتمكن من التأثير على روح المقاومة أو تغيير القناعات الوطنية لدى المعتقلين الذين تزداد أعدادهم كل عام غير عابئين بقوانينهم.

وبحسب القوانين الدولية، فإن مدة الحبس الإداري تتراوح ما بين شهر وستة أشهر، ولكن غالباً ما تقوم قوات الاحتلال بتجديد تلك المدة فور انتهائها دون حد أقصى لعدد مرات التجديد، وبالتالي يواجه المعتقل مصيراً مجهولاً مرتبطاً بأمر من الشاباك -جهاز المخابرات الإسرائيلي- وهو ما حدث بالفعل مع 44 معتقلاً عام 2014 من بينهم 9 من المجلس التشريعي الفلسطيني؛ حيث امتدت مدة الحبس الإداري لهم أكثر من عام، وهو ما يحدث حتى الآن أيضاً مع بلال كايد الذي قضى فترة محكوميته البالغة 15 عاماً وفور انتهائها تم وضعه رهن الاعتقال الاداري.

كما ترتبط مدة الحبس بالعديد من الانتهاكات التي تحاول من خلالها الدفع بالمعتقل إلى الشعور بالعجز، منها احتجاز المعتقل لمدة تصل إلى 60 يوماً في البداية للتحقيق معه دون لقاء محاميه، بالإضافة إلى التعذيب الجسدي والمضايقات النفسية والحبس الانفرادي وحرمانهم من النوم لفترات طويلة والإهمال الطبي ومنع الزيارات العائلية التي وإن اتيحت تقف أمام عقبة الإجراءات، حيث يتم نقل المعتقلين إلى سجون في الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، وبما أن دخول الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة منذ 1948 يحتاج إلى تصاريح وموافقات أمنية وأحياناً يتم رفض طلب الدخول، فإن ذلك يؤثر على إمكانية زيارة المعتقلين بسهولة، وهو ما يناقض المادة 76 من معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949 التي تنص على عدم نقل المعتقلين من أرضهم، وهي الاتفاقية التي رفضت إسرائيل التوقيع عليها لكنها لم تمانع أن تنتقي منها المادة 78 الخاصة بالاعتقال الإداري وتنفذها ما دامت تصب في صالحها.

وبالتأكيد لا يعد ذلك هو أقصى التجاوزات الإسرائيلية على حرية الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم في حياة اجتماعية آمنة، حيث وجدوا في مقاومة الأطفال لهم بالحجارة خطراً يهدد أمنهم القومي الذي تحميه الأسلحة والمدرعات، لذلك ضربت إسرائيل بكل المواثيق الدولية وحقوق الطفل عرض الحائط، وامتدت تعدياتها الجائرة وبطشها ليصل إلى حد اعتقال الأطفال القُصّر، الذي بدأته منذ سنوات ومستمرة فيه حتى الآن مع تصاعد وتيرته وازدياد عدد الأطفال في المعتقلات الإسرائيلية على مرأى ومسمع من العالم الصامت والأعمى، فمنذ عام 2000 - الانتفاضة الفلسطينية- وحتى الآن تم اعتقال أكثر من 12 ألف طفل منهم ما يقارب 881 في عام 2012 و931 في عام 2013 وأكثر من 1266 في عام 2014، إلى جانب إحصائيات اليونيسيف التي تشير إلى اعتقال أكثر من 700 طفل كل عام في الضفة الغربية، تتراوح أعمارهم ما بين 12 و17 عاماً، وتكون التهمة التي تجمع بين كل هؤلاء الأطفال هي إلقاء ورمي الحجارة على الأشخاص والممتلكات والتي يعد تأثيرها المعنوي أشد وقعاً على إسرائيل من الرصاص كونها تعبر عن قوة حامليها من الأطفال وبسالتهم في مواجهة عدوهم في مثل هذا العمر؛ لذلك حددوا عقوبة تلك التهمة بالحبس لمدة 6 أشهر كحد أدنى، و10 سنوات كحد أقصى، وفي حال استهدف الطفل عربة متحركة بهدف إيذاء من بداخلها قد تصل العقوبة إلى 20 عاماً، وبالإضافة إلى مدة الحبس يتم فرض غرامات مالية باهظة على أسرته أكبر من قدرتها المادية على السداد، حتى يكون بمثابة رادع للطفل من تكرار الأمر ولأسرته من تشجيعه على ذلك، وأحياناً ما يكون جمع الغرامات هو الهدف من حملات الاعتقال بما يتسبب في تأزم الوضع المادي للكثير من الأسر في محاولة لإذلالهم.

وبالرغم من اعتبار تلك القوانين في حد ذاتها اعتداء على حرية الطفل وحقه في العيش بسلام في بيئة آمنة، الذي تكفله التشريعات والمواثيق الدولية لكل طفل في العالم ولكنها، وكما يتراءى قد استثنت الطفل الفلسطيني من ذلك، إلا أن الانتهاك الأكبر يتمثل في المعاملة السيئة التي يتلقاها الأطفال منذ اعتقالهم، مروراً بالتحقيقات وحتى مدة الحبس والتي لا تتحرك إزاءها الجمعيات والمنظمات الحقوقية كما تتحرك فوراً وتتدخل في أي حدث، ولو بسيط في الدول الأخرى، لتؤكد نظرية إسقاطها للطفل الفلسطيني من حساباتها.

حيث يتعرض الطفل أثناء الإمساك به واعتقاله إلى الضرب المبرح بغض النظر عن عمره وبنيته الجسدية الضعيفة، كما يتم اقتياده إلى إحدى المستوطنات للتحقيق معه كمستوطنة بنيامين ومعاليه أدوميم وغيرها دون علم عائلته التي تظل في بحث مستمر عنه حتى تصل إلى موقعه الذي لا تستطيع دخوله أو الوصول إليه، مما يزيد من الضغط النفسي والحصار الذي يشعر به الطفل، بالإضافة إلى السب والإهانة والتهديد بإيذاء عائلته وقتله في حال لم يُصدق على الاتهامات الموجهة إليه ويُقر بها والتي تُكتب باللغة العبرية ولا يعلم مضمون ما تحمله، ولكنه يضطر في النهاية إلى الرضوخ تحت وطأة تلك التهديدات، كما يفعل الغالبية العظمى من أقرانه، ليقضي مدة الحبس بعد ذلك مع الاضطهاد والمعاملة غير الإنسانية ومحاولات تسميم الأفكار والعقول الممنهجة لهز ثقة هؤلاء الأطفال بأنفسهم وبحقهم في وطنهم، وإذاقتهم مر الأسر والسجن في مقتبل أعمارهم حتى تزرع وتُرسخ بداخلهم الخوف من تكرار التجربة ليتجنبوها بعد ذلك، ويتقبلوا الأمر الواقع دون اعتراض أو مقاومة ظناً منهم أن رهاب الأطفال بعمر مبكر من شأنه أن يؤثر بالسلب على أجيال المستقبل ويُخرج جيلاً ضعيفاً، وهو الاعتقاد الخاطئ حيث في مقابل تأثر القليلين، هناك الكثيرون ممن تعرضوا للاعتقال عدة مرات ولم يزدهم ذلك إلا إصراراً.

وتعد تلك التجاوزات هي غيث من فيض الانتهاكات الإسرائيلية اليومية والمكثفة ضد الفلسطينيين والحرب النفسية عليهم، والتي لم ولن تتوقف لعدم وجود رادع لهم، حيث يقف الشعب الفلسطيني بأبنائه وحجارته منفرداً في وجه الظلم بينما تمتلك إسرائيل الجيش والمدرعات والمساندة الدولية، ولكنها رغم ذلك تفتقر إلى الحق الذي يمتلكه الفلسطينيون، ولم تتمكن من انتزاعه منهم بشتى الطرق أو إسكات ذلك الشعور بداخلهم فهو مصدر قوتهم ونقطة ضعف الإسرائيليين، فمن يمتلك الحق دائماً هو الأقوى لذلك يزداد الفلسطينيون إصراراً رغم ما يشهدونه ويبقى الجندي الإسرائيلي رغم كل ما يحفظه من تلقين مهزوم وخائف من طفل وحجارة، حيث لا تشير ممارساتهم تلك إلى الوحشية النازية التي يستخدموها ضد أصحاب الأرض فحسب، وإنما تشير أيضاً إلى الخوف والرعب الذي يسكنهم من أي هبة غضب فلسطينية وعدم تمكنهم من القضاء على المقاومة أو إحكام السيطرة المطلقة على الشعب والأرض رغم 68 عاماً من الاحتلال.

المصادر:
انتهاك إسرائيلي فاضح لحقوق الطفل الفلسطيني - نبيل السهلي - 7 أغسطس 2016.
http://kofiapress.net/pages/print/4089
750 فلسطينياً رهن الاعتقال الإداري بسجون الاحتلال - 7 - أغسطس2016.
http://alkhaleejonline.net/#!/articles/
ما هو الاعتقال الإداري؟ - الأطفال المعتقلون.
http://www.addameer.org/ar/content/

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.