المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين رزق Headshot

كيف دعموا إسرائيل بتحريم زيارة القدس؟

تم النشر: تم التحديث:

لم يعد الحديث عن فلسطين يقترن بشعور الخزي أو تأنيب الضمير كما كان في السابق، كما أصبحت ذكرى النكبة تمر كل عام بين أروقة الوطن العربي على استحياء؛ حيث يخشى الجميع أن يذكرها فيذكر معها الخيبة التي أصابتنا قديماً، وما زلنا نعاني منها حتى يومنا هذا

لنشهد 68 عاماً من الاحتلال المخزي لفلسطين التي تقع في قلب الوطن العربي، وتحيطها الدول العربية من كافة الاتجاهات؛ حيث لم تكن خيبتنا في مواجهة الاحتلال فقط بقدر ما كانت في فشل الاتحاد واتفاق المصالح فيما بيننا.

وهو الأمر الذي جعل من أبسط حيثيات القضية إشكالية نقف أمامها حائرين في اتخاذ القرار، ولعل المثال الأبرز هو قضية زيارة القدس لغير الفلسطينيين وهي محور اهتمامنا هنا، والتي ما أن تثار على الساحة العربية حتى يحتدم فيها الجدال، ويتهم كل طرف الآخر بمحاباة إسرائيل، ويبقى الشعب الفلسطيني في الداخل يعاني من آثار تلك النزاعات، ويبقى المواطن العربي في حيرة بين السياسيين وعلماء الدين المؤيد منهم والمعارض، والذي يعتنق كل منهم رأيه وكأنه دين مقدس.

وبالنظر عن كثب إلى تلك الآراء والمعتقدات نجد أن أصحاب النظرية المؤيدة لزيارة القدس ينظرون لها من باب الواجب الديني الذي يتحتم على الجميع باعتبار وجود المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين؛ حيث تعادل الصلاة به ألف صلاة أخرى، بالإضافة لما في تلك الزيارة من دعم وشد أزر للشعب الفلسطيني ومنفعة اقتصادية تقع عليه بالشراء والتجارة معهم، فينشط اقتصادهم وتنهض أوضاعهم، كما أنها تعد إشارة قوية وصريحة على أرض الواقع للإسرائيليين بعدم التفريط في المسجد الأقصى أو ترك القدس لهم لينفردوا به وينجحوا في تهويده، كما أرادوا وسعوا دائماً، وهو الرأي الذي يأتي في مقدمة مؤيديه الرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ حيث صرح مراراً بضرورة زيارة القدس من باب التواصل مع أهلها، كما أكد أن ذلك ليس تطبيعاً بل تمسكاً بالأرض، وقد شبه ذلك بزيارة المسجون أو المعتقل التي لا تعني بالضرورة الاعتراف بشرعية السجان.

وكذلك دعا وزير الأوقاف والشؤون الدينية بفلسطين الشيخ يوسف إدعيس إلى شد الرحال إلى المسجد الأقصى لدعم الفلسطينيين في نضالهم، وهو ما لم يختلف معه الشيخ محمد حسين مفتي القدس؛ حيث صرح بأن العالم العربي لا يقاطع إسرائيل وإنما يقاطع فلسطين، فالاحتلال لا ينفي قدسية فلسطين كما لا ينفي عن القدس مكانتها الإسلامية، وقد ذكر أنه لم يُنقل عن أحد من علماء المسلمين على مر التاريخ أنه قد أفتى بعدم جواز الزيارة، فتلك الفتاوى ليست دينية بقدر ما هي سياسية لتنفيذ أجندات خاصة، والرابح الوحيد من جرائها إسرائيل، وقد استشهد بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، وقد كان القدس تحت الاحتلال الروماني حينما قال الرسول ذلك، ويستشهد أغلب المؤيدين لهذا الرأي أيضاً بزيارة الرسول لمكة سنة 7 للهجرة فيما يعرف بعمرة القضاء التي كانت آنذاك تحت سيطرة المشركين.

أما أصحاب النظرية المعارضة للزيارة والمؤيدة للتحريم أو المنع فتختلف مع الفرق سابقة الذكر جملة وتفصيلاً؛ حيث يرى هؤلاء أن الزيارة هي تطبيع مع العدو واعتراف به؛ لما يتم من الاستعانة بتصاريح وتأشيرات سفر من جانبهم وهو ما يعود عليهم بالنفع المادي، كما اعتبروا أن ذلك سيسلبنا الحق في المطالبة بالمسجد الأقصى، باعتبار أنه إذا كان متاحاً لنا متى شئنا فستضعف حجتنا في المطالبة به، ويختلف المتبنون لهذه النظرية أيضاً في تفسير عمرة القضاء للرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث لا يوجد تشابه بين الظروف الراهنة للأقصى وظروف تلك الزيارة للرسول من وجهة نظرهم، ومن أبرز المؤيدين لهذا الرأي منظمة حماس الفلسطينية، والشيخ يوسف القرضاوي الذي يعد من أبرز من أفتوا بالتحريم والمنع من منطلق منصبه كرئيس للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وقد أرجع ذلك إلى أن الزيارات قد تضفي الشرعية على المحتل، وأنه يجب أن نحرم من الأقصى حتى نقاتل من أجله ونظفر به، وهو ما واجه اعتراضاً من قِبل الكثيرين؛ لكونه لا يستند إلى نص صريح في القرآن والسنة يدفعه للتحريم، أو إضفاء الصفة الدينية على المنع.

وباعتبار أن نظرية المنع والتحريم تعد هي النظرية السائدة والمطبقة على أرض الواقع، فإذا تناولنا تبعاتها والآراء المطروحة بها، والتي تعتبر أن تلك الأساليب هي الوسيلة لتحرير فلسطين وتشكل ورقة الضغط على المجتمع الدولي والعربي لتحريك جيوشهم ومحاربة إسرائيل، فأين نتائج تلك النظرية حتى الآن؟ وأين كانت تلك الجيوش من زحف الاستيطان الإسرائيلي وسرقة أراضي الفلسطينيين، والتحفظ على ممتلكات أهل القدس الغائبين وبناء الجدار العازل حولها في تحد واضح لتقليل عدد المسلمين بها وتهويدها، وانتهاك الجنود الإسرائيليين المتكرر لحرمة المسجد الأقصى وباحاته وقتل المصلين واعتقال الأطفال، وإطلاق النار على المواطنين تعسفاً ومنع إسعافهم حتى الموت بحجة عمليات الطعن دون شاهد أو دليل، وحرق عائلة الدوابشة والطفل محمد أبوخضير أحياء وغيرها من الانتهاكات، فالقائمة تطول في ذكر التعديات الإسرائيلية التي لم تتوقف يوماً ولم تواجهها الدول العربية بأكثر من بيانات الشجب والإدانة.

فنتيجة لاتباع ذلك النهج العقيم لعقود وإجراءات شكلية لم تتجاوز الاستنكار العربي أو مباحثات تجريها جامعة الدول العربية من حين لآخر لتثبت أنها ما زالت موجودة وتضيف بعض المواقف الهزيلة لسجلاتها، أو مبادرات سلام واهية لحل الأزمة تشغل الرأي العام حيناً ثم لا تفضي إلى شيء يذكر سوى أنها كانت لإبراء الذمة، كانت إسرائيل قد توغلت في تلك الأثناء واحتلت أغلب الأراضي الفلسطينية، وأبدلت أسماء المدن العربية هناك بأخرى عبرية حتى نسي أهلها الأسماء الحقيقية لها، وأصبحت العملة المتداولة حتى بين الفلسطينيين هي الشيكل الإسرائيلي، وأنشأوا أحدث المدارس والجامعات والمستشفيات، بالإضافة إلى مفاعل ديمونة النووي المحاط بالسرية دون حسيب أو رقيب، ومنتجات المستوطنات الإسرائيلية التي أصبحت تصدر إلى دول أوروبا.

أما المواطن الفلسطيني فيضطهد يومياً وتُسلب حقوقه علناً، ويتنقل بتصاريح في بيئة تدهورت البنية التحتية لأغلب منشآتها الأساسية، وانقلب ميزان الحق وتعثرت العدالة بخطاها باعتراف أغلب دول العالم، وخاصة الدول الكبرى، بإسرائيل، وأصبح أصحاب الأرض والحق وهم الفلسطينيون هم من يبحثون عن ذلك الاعتراف بهم.

ومع ذلك نجد أن أصحاب نظرية المنع غضوا أبصارهم عن كل ذلك ولم تثنيهم عن آرائهم، بل تمسكوا بالخوف من الوقوع في شبهة التطبيع، دون النظر لما آلت إليه الأوضاع وما ستؤول إليه، وكأن الصمت عن جرائم إسرائيل وتعدياتها ومحو هوية فلسطين وعروبتها التي أصبحت مهددة ليس تطبيعاً، أو انتشار المنتجات الإسرائيلية -منتجات الشركات متعددة الجنسيات التي تسهم إسرائيل فيها بحصة كبيرة- في الأسواق العربية ليس تطبيعاً، فما الخوف من التطبيع إلا ذريعة اتخذتها الدول العربية لتغطي على عجزها وفشلها في القضية الفلسطينية وميلها لبقاء الوضع على حاله دون عناء المواجهة والحرب.

فكل ما تفعله الدول العربية هي أنها تُعلم وتُلقن الأطفال في المدارس أن تحرير فلسطين من علامات الساعة، فأخرجوا جيلاً ضعيفاً لا يكترث لما يحدث هناك سوى بالدعاء حيناً وبالحزن أحياناً أخرى، فهو ينظر لتحريرها على أنه معجزة أكبر منه، فينتظر صلاح الدين القادم ليحررها الذي لا نعلم إن كان قادماً بالفعل أم لا.

فليس هناك تبشيرات بقدومه في ظل الوضع الراهن، ولذا من غير المستغرب أن نشهد من فترة لأخرى عمليات الحفر الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى بهدف هدمه، والذي وإن نجحت به إسرائيل يوماً ما فإنها لن تخشى من رد الفعل العربي، فهي على يقين بأنه لن يتجاوز بعض الاستنكار والتنديد الذي حفظته عن ظهر قلب، والذي ستزيد حدته فقط هذه المرة مصحوباً بمظاهرات عارمة في عدة دول، وحرق للأعلام، ودعاء على المحتل في المساجد، وثورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الشباب الغاضب، وبكاء وحسرة على اللبن المسكوب فترة ثم ينفض الأمر بعد ذلك، فإسرائيل إن كانت تخشى رد فعل حقيقياً فسيكون رد فعل الشعب الفلسطيني.

ولذلك فإذا كان منع زيارة القدس وتحريمها يصب في صالح طرف، فإنه لن يصب في صالح الموقف العربي بكل تأكيد، وإنما يصب في صالح إسرائيل بحيث يزيد انفرادها واحتكارها للقدس وإحكام قبضتها على البلاد والإمساك بزمام القضية، كما تزيد من عزلة الفلسطينيين ومواجهتهم للعدو منفردين، وهو ما يستدعي التخلص من شبح التطبيع الذي يلاحق الكثيرين والشروع في إيجاد حلول لتذليل أي عقبات من سن القوانين والاتفاقيات الدولية لإتمام تلك الزيارات، بما يضفي عليها صفة الشرعية.

إذا كان ذلك ما يمنعنا بالفعل؛ حيث يمكن تسيير أفواج الزيارات عن طريق الأردن باعتبار أن جزءاً من القدس، حسب الاتفاقيات الدولية، يقع تحت إدارتها، أو من خلال معبر رفح بالتنسيق بين مصر والجانب الفلسطيني، أو من خلال دعوة من السلطة الفلسطينية مباشرة دون الحاجة للتأشيرات الإسرائيلية وهو ما تقوم به جماعة (ناطوري كاربا) اليهودية التي لا تعترف بإسرائيل والمعادية للصهيونية؛ حيث تزور القدس عن طريق تقديم طلب للرئيس الفلسطيني لا تضطر بموجبه أن تتعامل مع إسرائيل، أو أن تقاطع القدس كما نفعل نحن، وهو ما يبطل جميع الحجج التي نتذرع بها منذ عقود.

لتبقى في النهاية العديد من التساؤلات وتبقى مرارة الصبر والانتظار على إجاباتها إلى متى ستحرم الأجيال العربية من زيارة القدس؟ ومتى سنبدأ بانتهاج سبل مختلفة عن تلك التي جعلت الاحتلال يمكث 68 عاماً مطمئناً بيننا ونبدل الدعم بالشعارات والتبرعات بدعم أجدى من خلال مواقف دولية حقيقية وتحرك عربي قوي؟ وإلى متى سنطالب الشعب الفلسطيني بالتحلي بالصبر ونحن نختلق الحجج جيلاً بعد جيل لتأجيل وتهميش القضية؟ ومتى سنتحلى بشجاعة اتخاذ قرار الاتحاد ومواجهة العدو بدلاً من التحالف معه؟

المصادر:

1- فتاوى زيارة القدس بين مؤيد ومعارض- مصطفى رياض- 13 مارس 2012.
http://www.alamatonline.net/l3.php?id=25024
2- كفى خذلاناً 60 عاماً - غنيم الزعبي - 23 ديسمبر 2015.
http://www.alanba.com.kw/kottab/ghneim-alzoubi/
3- وزير الأوقاف الفلسطيني يناشد المسلمين زيارة القدس - هاجر الحكيم ومحمود مصطفى- 15نوفمبر 2015
http://www.vetogate.com/1903345

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.