المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين رزق Headshot

التمدد الخليجي والاختراق الدولي للقرن الإفريقي "2"

تم النشر: تم التحديث:

لا يختلف الوضع على الأرض إلارتيرية كثيرًا عن سابقتها وجارتها جيبوتي والتي تحدها من الجنوب الشرقي وتعد منافسها الإقليمي الأقوى، حيث يحدها السودان من الغرب واثيوبيا من الجنوب، ويمتد الجزء الشمالي الشرقي من البلاد على طول ساحل البحر الأحمر، وبالتالي تقع على مقربة من باب المندب في مواجهة سواحل السعودية واليمن مباشرة، وهو الموقع بالتأكيد الذي جذب إليها أنظار إيران العدو الأول للسعودية؛ لذلك يعتبر الوجود الإيراني في إرتيريا أحد الأسباب التي ساهمت في اتخاذ الرياض قرارًا بضرورة تخطي الخلافات وإنشاء قاعدة دائمة لها في جيبوتي.

وعلى الرغم من نفي إرتيريا الدائم لوجود أي قواعد إيرانية على أرضها، إلا أن خطاب الرئيس أسياس أفورقي عام 2008 الذي دعا من خلاله طهران إلى إقامة قاعدة لها في أفريقيا، يؤكد ما تعتبره إرتيريا محض افتراءات وحملة استخباراتية ضدها، حيث تبِع تلك الدعوة في سبتمبر (أيلول) من نفس العام توقيع اتفاقية وصفقة نفطية تمنح إيران الحق الحصري في الإشراف على تطوير وصيانة شركة تكرير النفط الإريترية،

وقد تضمنت تلك الاتفاقية بندًا يقضي بوجود عسكري إيراني في ميناء عصب لحماية مصفاة النفط، وهو ما اتخذته إيران بدورها ستارًا لإنشاء قاعدة بحرية عسكرية سرية لها على ساحل البحر الأحمر، وقد أكد ذلك الوجود تقرير مركز ستارتفور الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2012، بالإضافة إلى التقارير المؤكدة للعديد من الدول حول الدور البارز لإريتريا في مساندة المتمردين الحوثيين باليمن وعلاقتها القوية بهم،

والتي برزت في إرسال الحوثيين وفدًا رفيع المستوى للقاء القيادات السياسية في إرتيريا عندما بدأت هجمات التحالف العربي، وما أشيع بعد ذلك عن التدريب العسكري الإيراني للحوثيين على أرضها، وتسهيل تهريب الأسلحة إلى ميناء حرف سفيان ومن ثم إلى مدينة صعدة اليمنية، وهي العمليات التي يتم الجزء الأكبر منها عن طريق جزيرتي (نهلقة وفاطمة) التي تستأجرهم إيران من إريتريا في مقابل حصول الأخيرة على النفط الإيراني بأسعار رمزية.

ويرجع اختيار إيران لهذا الموقع بالتحديد لتتمكن من تطويق السعودية من جميع الإتجاهات، وذلك من خلال نفوذها في اليمن جنوب السعودية، وسلطتها العسكرية في العراق شمالها، وتلك الجزر في إرتيريا من ناحية الغرب، وبالتأكيد من ناحية الخليج العربي الذي تقع إيران على ساحله.

لذلك ومع محاولات الحصار تلك والخلافات الإماراتية مع جيبوتي لم تكن السعودية بصفة خاصة ودول الخليج بصفة عامة لتقف مكتوفة الأيدي أمام انحسار قوتها ونفوذها في أفريقيا، لذلك بدأت الإمارات وبالتعاون مع السعودية في سبتمبر (أيلول) 2015 في إنشاء قاعدة إماراتية في ميناء عصب الإريتري، والتي تضم قاعدة جوية حديثة ومنشأة للتدريب العسكري، وذلك بحسب اتفاقية شراكة وعقد إيجار بينها وبين إريتريا لمدة 30 عام، تعهدت مقابلها دول الخليج بتقديم حزمة من المساعدات للبلاد، على رأسها زيادة إمدادات الوقود وتطوير مطار أسمرة، وهو ما يزيد الغموض حول مساهمة إريتريا وماهية دورها الحقيقي في حرب اليمن.

وتعتبر تلك القاعدة مركزًا اماراتياً لحشد وتدريب الجنود، ونقل المعدات والأسلحة من وإلى اليمن لدعم حربها هناك، كما تُساهم أيضًا في منح الإمارات عمقًا استراتيجيًا في أي صراع مستقبلي وبالتحديد مع إيران، حيث تقع الإمارات ضمن مدى مجموعة الصواريخ الإيرانية، وبالتالي كان لابد لها من موقع آخر تحت سلطتها ونفوذها ومن شأنه أن يُشكل تهديدًا لإيران و رادعًا لها.

أما القاعدة الأهم والأكبر في إرتيريا هي لإسرائيل، التي تنبهت إلى أهمية تلك المنطقة وسبقت الجميع وسارعت لاحتواء إريتريا، حيث يرجع الوجود الإسرائيلي فيها إلى ما قبل الاستقلال، حينما سمحت لها إثيويبا أنذاك ببناء قاعدتي (رواجبات ومكهلاوي) على حدود السودان في الجزء الغربي من إرتيريا اليوم، ثم وقّع البلدان اتفاقية بعد الاستقلال وبالتحديد عام 1995 تقضي بتأجير إسرائيل لثلاث جزر ضمن أرخبيل دهلك (الأرخبيل الذي اتخذه القراصنة منذ عام 630م مركزًا لهم هاجموا من خلاله ميناء جدة وهددوا بتدمير مكة المكرمة) قرب مدينة مصوع في البحر الأحمر،

وقد اتخذتها إسرائيل لإنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، تتضمن مهبطًا للطائرات، ومرسى للسفن، وقاعدة تنصت استخباراتية، وبرج مراقبة بحري ذي مدى بعيد، كما تستخدمها لتشغيل الغواصات ومراقبة الدول المجاورة وحركة باب المندب؛ لذلك يُعد موقعها تهديدًا للأمن القومي لكل من السعودية واليمن والسودان ومصر، بالإضافة إلى قدرتها على السيطرة على باب المندب في حال نشبت أي نزاعات أو خلافات، وهو ما سعت إليه إسرائيل لضمان عدم إغلاق الملاحة أمامها بالكامل كما حدث عام 1973.

أما إرتيريا التي تضم قواعد للدولة التي (من المفترض) أنها تمثل العدو الأول للعرب، فترى في ذلك حماية لها وقوة رادعة لأي غزو إثيوبي محتمل أو صراعات حدودية كتلك التي خاضتها سابقًا ضد اليمن وجيبوتي، وهي الصراعات التي اتخذتها قطر بدورها ذريعة لإيجاد موطأ قدم لها في المنطقة من خلال نشر جنودها على الحدود بين إريتريا وجيبوتي بعد أن لعبت دور الوسيط في النزاع بينهما وجمعتهم في الدوحة لتوقيع اتفاقية سلام عام 2010، وهو ما اضطرت لإنهاءه مؤخرًا بعد الحصار الاقتصادي الخليجي المطبق عليها، كما أعلنت في يونيو (حزيران) 2016 عن مبادرة وساطة بين إريتريا وإثيوبيا لن تختلف نتائجها إن تمت وانحسرت الأزمة الخليجية عن سابقتها كثيرًا.

الصومال:

الدولة الوحيدة بين دول القرن الأفريقي التي تتفرد بإطلالتها المباشرة على المحيط الهندي شرقًا، وتمتلك أطول حدود بحرية في أفريقيا، في حين تشترك معهم في قربها من باب المندب وسواحل اليمن ووقوعها على خليج عدن شمالاً، بالإضافة إلى حدودها مع جيبوتي وكينيا وإثيوبيا، لذلك تسمى الصومال بحزام الأمن العربي.

قد لا تتواجد قواعد عسكرية أجنبية على أرض الصومال (بشكل رسمي)، إلا أن مقياس الوجود الأجنبي هناك ومدى حضوره في قراراتها لا تحكمه القواعد العسكرية فقط، حيث أن الأدوار المتنامية لبعض الدول والإهتمام المتزايد بالشأن الداخلي والاستثمارات والإمدادات بأشكالها المختلفة التي تُشكل حجر الزاوية في الاقتصاد الصومالي، هي كلها أمور تشير بدورها إلى وجود مخطط لتعزيز التواجد والنفوذ ضمن إطار ما يسمى بالقوة الناعمة.

وقد جذبت الأهمية الاستراتيجية لموقع الصومال كسائر دول القرن العديد من الدول الطامعة والطامحة في الاستفادة من ذلك الموقع اقتصاديًا وسياسيًا، ومن تلك الدول وأبرزهم كانت الإمارات، التي ازداد دورها في الصومال بشكل كبير وملفت استكمالاً لدورها في إريتريا والدور السعودي في جيبوتي، وهو ما يضمن النفوذ الخليجي في دول القرن الثلاث.

وعلى الرغم من أن المساعدات الإنسانية الإماراتية إلى الصومال لم تتوقف منذ سنوات طويلة مضت نظرًا للحروب الأهلية والانقسامات التي يشهدها الصومال باستمرار، إلا أن الإمارات وبالتحديد بعد انخراطها في حرب اليمن 2014 سعت إلى تركيز جهودها على الدعم العسكري والمشروعات الاقتصادية التي تضمن لها نفوذ وبقاء طويل الأمد هناك، حيث بدأت في 2014 في تطوير شراكة عسكرية مع الصومال لمكافحة الإرهاب، ومن ثم افتتحت مركزًا جديدًا في مقديشو عام 2015 لتدريب عدة وحدات عسكرية صومالية بقيادة مجموعة من القوات الخاصة الإماراتية.

وفي نهاية مايو (آيار) من نفس العام زودت الإمارات إدارة جوبا المؤقتة في كيسمايو بمجموعة من المركبات المقاومة للألغام، وعدة شحنات من ناقلات الجنود المدرعة وشاحنات نقل المياه، ودراجات نارية لرجال الشرطة، وسيارات مصفحة لوزير الداخلية، كما تعهدت في أكتوبر (كانون الأول) 2015 بدفع رواتب قوات الأمن الحكومية الاتحادية لمدة أربع سنوات، و

تدريب الحرس الجمهوري والمساهمة في ترميم القصر الرئاسي، لتحصل في مايو (أيار) 2016 على عقد لمدة 30 عامًا بحق انتفاع وتطوير وإدارة ميناء بربرة المطل على خليج عدن في أرض الصومال (صوماليا لاند التي تتمتع بحكم ذاتي والمنافس الإقليمي للصومال) والتي تمتلك احتياطي نفطي واعد تتنازع عليه الأطراف الدولية في الخفاء، وقد كانت اثيوبيا في سعي دؤوب لسنوات للحصول على تلك الأحقية لتضمن لها منفذًا بحريًا وحيدًا إلا أن التواجد الإماراتي السخي كان له النفوذ الأكبر، حيث سعت الإمارات إلى إرضاء جميع أطراف الحكم في الصومال بمناطقها المحكومة ذاتيًا منها بونتلاند (أرض البنط) والتي قامت على تمويل قوات الشرطة البحرية التي تشكلت فيها عام 2010، والتي تُشرف وتسيطر على قواعد استراتيجية في ميناء بوساسو على ساحل خليج عدن وعلى قاعدة في مدينة إيل على ساحل المحيط الهندي، وهي الموانئ التي تمكنت من خلالها الإمارات من إحباط العديد من عمليات تهريب السلاح الإيراني إلى اليمن.

في تلك الأثناء وبعكس الإمارات التي تعتمد حتى الآن في علاقاتها بالصومال على التمويل والمساعدات، كانت تركيا قد أعلنت وبشكل رسمي في 2016 عن اعتزامها إنشاء أول قاعدة عسكرية لها في الصومال، وتدريب 11 ألف جندي صومالي، إلى جانب قاعدة أخرى لها في قطر ستضم ثلاثة آلاف جندي، وهي الأولى لها في الشرق الأوسط بموجب الاتفاقية العسكرية الدفاعية بين البلدين، لتضمن من خلال تلك الخطوات نفوذًا في الخليج العربي وخليج عدن في آن واحد، وهي التحركات التي تُعلن عنها الحكومة التركية في إطار مجاراة خطوات إيران التوسعية بالإضافة إلى فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية.

ومن ناحية أخرى أثارت تلك القرارات حفيظة مصر التي تشهد علاقات يشوبها التوتر مع كلاً من تركيا وقطر، إلى جانب خلافات سد النهضة مع إثيوبيا والذي تحاول أطراف عديدة استغلاله لتأجيج الصراع (المؤجل) حول منسوب مياه النيل، واستغلال التأثير الواضح لغياب الدور المصري في المنطقة الأفريقية لسنوات، لذلك حاولت مصر استدراك ذلك في الآونة الأخيرة مع ازدياد التحركات في منطقة البحر الأحمر البوابة الجنوبية لقناة السويس، وخطورة التحديات التي يشهدها الأمن هناك.

وهو ما كان بإعلان مصر في يناير (تشرين الثاني) 2017 عن تدشين قيادة الأسطول الجنوبي في سفاجا، والتي سيتم تدعيمها بقوة جوية وبحرية متكاملة تُعد حاملة الطائرات (الميسترال) التي تسلمتها مؤخرًا حجر الأساس فيها، بالإضافة إلى مدمرات دفاع جوي وغواصات وفرقاطات متعددة المهام، والتي أعلنت أن مهمتها تأمين المصالح الاقتصادية وحماية حركة الملاحة في القناة، وهو ما يراه المراقبون أمرًا حتميًا بعد الجوار الآمن الذي باتت تتمتع به إسرائيل وإيران وتركيا من خلال قواعدهم بالقرب من باب المندب.

وبالعودة إلى الصومال فلا يمكن إغفال التواجد الأمريكي السري المتكتم عليه بشكل يثير الريبة، حيث كشفت مجلة ذي نيشن، وهو ما أكده أيضًا عبدي غني جامع وزير الدولة لرئاسة الجمهورية في كيسمايو، عن وجود قواعد ومكاتب سرية أمريكية بالقرب من مطار مقديشو الدولي، ومجمع عسكري محصن بشدة في كيسمايو، وعن عدة أنشطة لعملاء الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) التي تقوم بالمراقبة والاستطلاع لأهداف محددة ومهاجمة العناصر المطلوبة من قبل أمريكا، بالإضافة إلى عمل فريق من الاستخبارات جنبًا إلى جنب مع الوكالات الأمنية الصومالية، وهو التواجد الذي لم يتم الإلماح إليه مسبقًا بهدف تعميق الروابط العسكرية السرية في القرن الأفريقي بشكل حذر وهادئ يصعب ملاحظته من قبل العامة، لتتفرد بتحقيق أهدافها دون تربص من الدول المنافسة الأخرى أو ردود فعل مضادة من شأنها أن تُعطل مسار مخططاتها.

المصادر:

1- إريتريا شريان حياة الحوثيين وإيران

2- جوار إسرائيلي إيراني آمن في أرخبيل دهلك


3- الأسطول المصري الجنوبي - 18 يناير2017

4- الإمارات العربية المتحدة تضع أنظارها على غرب السويس - 2سبتمبر2016

5- القنصل الإماراتي يتلقى لكمة في جيبوتي - 18سبتمبر2016


6- أمريكا ترسل الطائرات بدون طيار من قواعد سرية في الصومال-4يوليو2015

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.