المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسمين عبد الرحيم Headshot

الجرائم المقدسة (١): زواج الصغيرات وخطيئة الأمومة

تم النشر: تم التحديث:

إن زواج الفتيات قبل السن القانوني في القطر العربي عامة والمصري خاصة لا يثير الدهشة عند فاعليه، وأنت إن ألقى بك الحظ وصرت معارضًا لتلك الجريمة والعنف المستتر فلن يلقي لك العامة بالًا ولما تقوله من الهراء.

من المفترض بك أن تعلم جيًدا أننا لا نتزوج لنجد شريك حياة وحضن دافئ في نهاية اليوم الشاق، وإنما تتزوج إن كنت أنت أنثى لتقوم بدورك الطبيعي في الإنجاب ورعاية المنزل، وإن كنت ذكرًا فأنت تربي الأطفال وتنفق عليهم.

يدور هذا الحديث حول الأنثى لأنها الأكثر تضررًا وتعرضًا للاغتصاب أو الزواج المبكر، وهو مصنف في كتيبات الأمم المتحدة كأحد أنواع العنف ضد المرأة.

تربى البنت في البدء على أنها خادمة وأداة جنسية للزوج، تقوم الأم بالإشراف على صنع فتاة مثالية، تصلح للعرض كسلعة في سوق الزواج، تتعلم مهام المنزل بحرفية تامة، ويكون أقصى غاياتها أن تكون جميلة، ثم يأتي الذكر محملًا بالأموال وبفارق سن يتعدى العشرة أعوام فما فوق، ليتزوج الفتاة التي يبيعها أهلها بالكثير من الأموال؛ لأنها (صغيرة يا بيه وتعرف تربيها ع ايدك).

أحب أن أدعو ذلك تجارة الجنس، ولكنها -أي الأموال- ليست السبب الوحيد لمثل ذلك الاضطهاد، والأمر يتعداه إلى إيمان دامغ أن الفتيات خلقن للمنزل، أو أن الفتاة لا يهمها التعليم في شيء، أو حتي كي لا تخرج وتختلط بالرجال (هتحط راسها براس الرجالة إياك).

الاعتداء لا يقف عند الأسباب، ويتعداه إلى النتائج؛ فقد تترك الفتاة التعليم، وتتزوج دون عقد فتضيع حقوقها القانونية، دون الإشارة طبعًا أنها ارتضت ذلك بوساطة شيخ الجامع التقي، الذي أعلن زواجهما لأنه -من السنة-، وأنا لست في موضع فتوى هنا لأقول بجوازه دينًا من عدمه وإن كنت أميل إلى حرمته، وقد تتعرض لمخاطر صحية نتيجة عدم استعدادها للعملية الجنسية، فالفتاة اليمنية ذات الأربعة عشر ربيعًا التي توفيت ليلة دخلتها لم تكن منا بعيد؛ وإن كان هناك حمل فتلك مصيبة الدهر، ليس للجانب الطبي والمضاعفات التي تقع على الفتاة فقط، بل للضرر الواقع من تلك الزيجات على المجتمع لأن منتجها من العناصر البشرية سيء المضمون والجودة، نظرًا لعدم نضح الوالد والوالدة، وعدم إدراكهما أن الطفل يحتاج إلى أكثر من الأكل والشرب وأن يلقى به في مدرسة حكومية؛ يحتاج إلى أكثر من مجرد الأمومة.

لا يدرك كثيرون من أفراد المجتمع المصري الفرق بين الأمومة والتربية، فهم يرون أن كل بالغ عاقل يستطيع إن أوتي مبلغًا من الأموال أن يتزوج، ويدر علي المجتمع أطفالًا ويربيهم أيضًا وهذا خطأ، الأمومة هي تلك المشاعر الفياضة من الحب والاهتمام التي تولد تجاه أولادنا، وهي عندهم تكفي لتوجيه عملية التربية لفرد آخر في منظومة (اتزوج وخلف وهاتلك حتة عيل).

ربما تكفي التربية إن كانت بهذا القصد، وهو انضمام مجرد كائن إلى آخر المنظومة وهو ليس من النوع الذكي حتى! ولكن تعرف التربية بأنها إنشاء منظومة مفاهيم متسقة مع ذاتها لدى الطفل ورعايته بالتوجيه والتقييم حتى سن معينة وتلك ليست من السهولة في شيء.

عملية (خلف وارمي) كخطأ في التربية لا تنتج عن زواج الصغيرات فقط؛ وتتعداه إلى جميع الزيجات إن كان طرفاها لا يتمتعان بالعلم الكافي أو النضج، وقد يتعدى الأمر حالات فردية ليتحول إلى ظاهرة اجتماعية كما في دول الشرق الأوسط. وهنا يكون المجتمع هو المجرم الذي ضلع بعاداته وتقاليده في تنشئة أطفال مشتتي الهوية، والشرطي الذي يجب عليه إيقاف هذا متمثل في منظمات المجتمع المدني التي تتلقي تمويلًا يقدر بآلاف ومراكز تنظيم الأسرة وغيرها من المؤسسات التي يفترض بها أن تقوم بالدور التوعوي للأهل وفتيات المدارس الابتدائية والمراهقات.

لا تكفي تلك الحقائق والتفسيرات لوقف الجرائم المتعمدة في حق الفتيات، بل يتهم من يحاول منع ذلك بمخالفة الدين، ويتعرض للنبذ المجتمعي لأنه كسر قدسية تعاليم العامة وتجار الدين الذين يتبعونهم، مما يجعل المهمة ليست بالهينة في محاولة كسر السلسلة وإطلاق العقول من قيد الاستعباد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.