المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر زيدان Headshot

ترامب والبيت الأبيض: رؤية من الداخل

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يحدث في البيت الأبيض؟

أسوأ التوقعات لم تكن لترى حجم الفوضى التي باتت تعم البيت الأبيض بعد تولي دونالد ترامب زمام الأمور في العاصمة الأميركية واشنطن. قضية دستورية كبرى وفضيحة أخلاقية وأمنية في أقل من شهر، وهو ما لم يحدث تقريباً في تاريخ البيت الأبيض الحديث. تسارع الأحداث يستدعي مشاهد من المسلسل المشهور "House of Cards" حينما استغل الشخصية الرئيسية Frank Underwood التخبط في البيت الأبيض ليصل في النهاية لكرسي الرئيس نفسه. ورغم درامية المسلسل، فإن السيناريو ليس بعيداً بأي حال من الأحوال عما يحدث خلف الكواليس في إدارة ترامب.

حتى نتمكن من فهم ديناميكية ما يحدث داخل البيت الأبيض، علينا أن نفهم الشخصيات التي تدير البيت الأبيض بدايةً من الرئيس ومن يحيط به. ولعل من المعلوم أن ترامب رجل أعمال يعشق الإثارة والدراما، كما أن له أجندة أصبحت واضحة منذ بداية ترشحه، لكننا لا نستطيع أن نجزم بما إذا كانت تلك الأجندة عبارة عن أفكار مؤسسة لدى ترامب أم مجرد وسيلة فقط للوصول لمبتغاه الرئاسي.

على رأس القائمة، هناك ستيف بانون (Steve Bannon) كبير استراتيجيي الرئيس والذي كان له الدور الأكبر في النصر الذي حققه ترامب في حملته الانتخابية، حيث عمل على خلق رسالة انتخابية استوعبت المهمَّشين والطبقة العمالية، كما استوعبت شعور الكثير من البيض بالخطر.

بانون نفسه، من الجمهوريون الذين يغردون خارج السرب جداً، فهو ناقد للنظام بأكمله وكثيراً ما عبر عن أن النظام الأميركي أصبح فاسداً إلى درجة تحتم ضرورة اقتلاعه من جذوره، وذاك ما رأيناه واضحاً في رسالة ترامب أيضاً بأنه الرجل الذي سيأتي من خارج مؤسسات واشنطن ليصلح النظام الفاسد.

بانون، يعد العقل المفكر في الإدارة الأميركية، وقد وصل إلى درجة من التأثير على الرئيس الأميركي أدت إلى إصدار أمر رئاسي بإضافة بانون إلى مجلس الأمن القومي في أول أيامه الرئاسية. وبالفعل، يعمل بانون على مد سطوته حتى على مجلس الأمن القومي وكل ما من شأنه أن يسهم في صياغة سياسة البيت الأبيض، ومن ذلك إنشاؤه مجموعة المبادرات الاستراتيجية التي تشابه في خصائصها إلى حد كبير مهام مجلس الأمن القومي.

الشخصية الثانية، هو زوج ابنة ترامب، غاريد كوشنر (Jared Kushner) الذي يشغل منصب كبير مستشاري الرئيس (Senior Advisor). بالإضافة إلى العلاقة العائلية مع الرئيس، يمتاز كوشنر بعلاقات استراتيجية مع الجماعات اليهودية وجماعات الضغط والأعمال نسبة لعلاقات والده رجل الأعمال اليهودي المعروف في نيويورك.

ويبدو واضحاً تأثير كوشنر في السياسة الخارجية؛ إذ تبنى ترامب سياسات منحازة تجاه إسرائيل خرجت على سياسات الولايات المتحدة السابقة تجاه السلام في الشرق الأوسط؛ بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يعد من أوائل القادة الدوليين الذين زاروا ترامب في مقره بنيويورك حتى قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية. كما تأتي الزيارة الأخيرة لنتنياهو للبيت الأبيض، بعد أيام من تنصيب دونالد ترامب، كاستمرارية لتلك العلاقة العميقة التي أشار إليها نتنياهو في المؤتمر الصحفي.

كوشنر، بالإضافة إلى زوجته إيفانكا ترامب، التي ترأس مجلساً استشارياً تجارياً بالبيت الأبيض أعِد خصيصاً لها، يمثلان مجموعة أخرى أسرية سيكون لها تأثيرها في البيت الأبيض وخصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والاقتصادية.

لماذا غادر الجنرال فلين (Flynn)؟

تأتي استقالة مايكل فلين، أول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب، إثر فضيحة مناقشته قضية العقوبات المفروضة على روسيا مع السفير الروسي في واشنطن دون علم البيت الأبيض. فلين تم الاستغناء عنه من قبلُ حينما كان مديراً للاستخبارات العسكرية إثر انتقاده سياسة أوباما في التعامل مع الجماعات الإرهابية بسوريا. ومنذ ذلك الحين، أصبح من أكثر المنتقدين للسياسة الخارجية لإدارة أوباما.

فلين أيضاً من المتبنين لأفكار تصادم الحضارات ويُعرف بآرائه المتشددة فيما يخص الإسلام، الذي يرى فيه محض أيديولوجيا متدثرة بدثار الدين كالسرطان الذي يجب التخلص منه. ولعل آراءه هذه عجّلت بالاستعانة به في حملة ترامب كمستشار في قضايا الأمن القومي منذ الأيام الأولى للحملة.

استقالة فلين بعد أقل من شهر من تنصيب ترامب، تعكس الصراع الخفي الذي يدور خلف أسوار البيت الأبيض. وتشير التقارير الصادرة من البيت الأبيض إلى أن فلين لم يكن صادقاً في إجابته عن تساؤلات نائب الرئيس مايك بنس (Mike Pence) حول موضوع النقاش الذي تم مع السفير الروسي. ويمثّل بنس ومعه رينس بريبوس (Reince Priebus) مجموعة أخرى في البيت الأبيض، هي مجموعة الحزب الجمهوري التي تريد أن تسيطر بدورها على ترامب الدخيل على مؤسسات الحزب الكبير.

خلف فلين الجنرال ماكماستر، وهو شخصية عسكرية مشهود لها في مؤسسة الجيش الأميركي. وقد جاء ماكماستر بعد رفض الأميرال السابق روبرت هاورد الوظيفة؛ لعدم إعطائه ضمانات كافية بعدم تدخل ستيف بانون في مهامه.

وتشير التقارير إلى أن قبول ماكماستر جاء بعد تنازل بانون عن التدخل في شؤون مستشار الأمن القومي، خصوصاً أن ترامب يريد شخصية عسكرية من الوزن الثقيل لتحل محل فلين.
كما سيعمل ماكماستر لموازنة تيار صدام الحضارات داخل البيت الأبيض، حيث عمل فترةً في العراق والشرق الأوسط. وقد أشارت التقارير الإعلامية إلى أن ماكماستر قد منع استعمال مصطلح "الإرهاب الإسلامي" في مداولات مجلس الأمن القومي الأميركي.

توازنات القوى
تبدو الأيام حبلى بالتغيرات بالنسبة لإدارة ترامب، خصوصاً بعد إجازة طاقمه الوزاري، حيث سنرى دوراً أكبر لوزير الخارجية، ريكس تيلرسون، في صياغة سياسات الولايات المتحدة الخارجية. وقد لا تشهد السياسات الخارجية تغيراً كبيراً فيما يخص إيران وكوريا الشمالية، لكنها حتماً ستتغير تجاه الشرق الأوسط وروسيا بوجود تيلرسون وماكماستر في طاولة القرار.

ستشهد هذه الإدارة تنازعاً بين مجموعات قوى مختلفة، بدءاً بمجموعة البيت الأبيض وستيف بانون ومجموعات الحزب الجمهوري ومجموعة مؤسسة الخارجية ومجموعات مؤسسات الاستخبارات والمجتمع الأمني ومجموعات وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية أيضاً. فهل يتمكن دونالد ترامب من إدارة هذه التوازنات لمصلحته أم أنه سيكتفي بتفويض من يثق بهم كما اعتاد ذلك في إدارة مؤسساته التجارية؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.