المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر زيدان Headshot

الشعبوية الغربية والاستحقاق الأميركي

تم النشر: تم التحديث:

من يرى أنه من السهل التنبؤ بمن سيفوز في الانتخابات الأميركية الآن، عليه أن يعيد التفكير مرة أخرى، حتى لا نلدغ من جحر الاستفتاء البريطاني مرتين. وإن كانت استطلاعات الرأي قد بلغت حداً من الموثوقية في عصرنا هذا، فإنها لم تكذب مؤخراً فحسب، بل ضللت الكثيرين من أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي في بريطانيا يوم لا ينفع الندم. امتنع الكثيرون من أولئك الأنصار عن التصويت مظنة أن معسكر البقاء (In campaign) يتقدم بنقاط كثيرة على معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي. ولم تكن تلك المظان إلا نتيجة استطلاعات الرأي التي كان يشير أكثرها إلى فوز مريح.

والأمر ليس خللاً في الاستطلاعات، ولكن الاستطلاعات لم تستطع أن تعكس شكل الحراك القائم على الأرض مهما اجتهدت وأفرغت الجهد، بل إن الأمر أكثر وضوحاً، حينما تكون الانتخابات ظاهرة ثقافية أكثر منها سياسية بحتة، وأعني بالثقافية هنا تحول الاهتمام في الانتخابات هذه بشكل كبير نحو مواضيع تتعلق بالهوية والثقافة، أكثر من الاقتصاد والسياسات.

لن نجد دليلاً على تصاعد نمو التيارات الشعبوية (Populists) في عالم السياسة الغربية أظْهَرَ من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي والانتخابات الأميركية. فظاهرة ترامب وساندرز لا يمكن التفكير فيها إذا لم نستوعب حجم التحدي الذي تحمله الظاهرة "الشعبوية" للنظام السياسي القائم. فساد النظام وتحكم صفوة نخبوية قليلة في مسار أمة كاملة كانا المحركين الأساسيين خلف حملة ترامب وساندرز، بل إن الظاهرة خرجت على النزعة التوسطية التي حكمت السياسة الأميركية والغربية لأكثر من عقد من الزمان.

قضايا مثل قضية المهاجرين وحقوق المرأة، أصبحت تهيمن على الصراع السياسي بصور أكبر، مقارنة بقضايا التوظيف والاقتصاد والسياسة الخارجية. وإذا نظرنا إلى دونالد ترامب كمثال لتلك "الشعبوية" الرافضة للمؤسسات السياسية في واشنطن سنرى أن ترامب لم يستهدف فقط أنصار الحزب الجمهوري، بل جلب معه الكثير ممن لم يألف القضايا السياسية من قبل. ترامب يجلب بخطابه سائق الشاحنة، والمزارع الذي يقطن خارج المدينة بآلاف الأميال، والعاملة التي تعمل في مطعم أقصى المدينة بمؤهل لا يعدو التعليم الابتدائي.

إننا أمام مرشح جمهوري يجتذب الطبقة العاملة لأول مرة في تاريخ الحزب الذي عرف بدعم الطبقة الغنية في الولايات المتحدة. إنه خطاب الانغلاق الذي صعد في بريطانيا أيام الاستفتاء، ويصعد الآن في فرنسا مع صعود الجبهة الوطنية الفرنسية التي تنادي بالخروج من الاتحاد الأوروبي، في أمر أشبه بالردة عن القيم التي يدعيها المجتمع ما بعد الصناعي الحديث، حيث تقوم العلاقات على الإنتاج ويتم تجاوز النعرة القومية والعرقية.

ترامب علم تماماً أن التجارة الحرة والضرائب المنخفضة لن تجلب له "الأغلبية الصامتة" التي حركها "الشعبويون" في أوروبا. إنها القاعدة التي ترى أن الجماهير تمت خيانتها من قبل النخبة السياسية، في محاولة لإعادة تعريف الديمقراطية من جديد. الديمقراطية بمعناها الجماهيري، كما أشار لذلك أرسطو (Democracy)، وليست الديمقراطية التي تجنح في النهاية للنخب (Polity).

الانتخابات القادمة ستكون صراع أفكار ورؤى، قبل أن تكون صراع سياسات. وكما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب له لمناصري هيلاري كلينتون في ميامي، فلوريدا: "التحضر سيكون على ورقة الاقتراع، التقدم على ورقة الاقتراع، الكياسة هي على ورقة الاقتراع، التسامح هو على ورقة الاقتراع، العدل هو على ورقة الاقتراع، المساواة هي على ورقة الاقتراع، ديمقراطيتنا هي على ورقة الاقتراع"..

صعوبة الاستحقاق الرئاسي هذه المرة تجعل من تقدم هيلاري كلينتون أمراً لا يمكن الاعتماد عليه في التنبؤ بنتائج يوم الثلاثاء القادم. ولعل لأجهزة الإعلام القدرة على معرفة مسار المعركة السياسية، لكن صراع الأفكار في مناطق الظل غير الناطقة لن يصل إلى مسامع شبكة السي إن إن (CNN) ومثيلاتها. هذا لأن أجهزة الإعلام أصبحت جزءا من المؤسسات السياسية القائمة (Establishment Institutions) بعيدة كل البعد عن أولئك الذين تتركز عليهم حملات الشعبويين. وليس خطاب التشكيك في نزاهة الانتخابات من قبل ترامب إلا تأكيد لمزاعم الجماهير التي تريد أن تسمع صدى صوتها في مرشحها الرئاسي، الذي تأمل أن يغير خارطة القوى في العاصمة واشنطن. لذلك لم تقف حملة هيلاري مكتفية بالتقدم الذي حققته مبكراً في الاستطلاعات، بل وصلت ذروة النشاط بعد تجدد فضيحة البريد الإلكتروني الشهيرة قبل أيام قليلة من يوم الاقتراع.

وظفت هيلاري شريط الفيديو المسرب لترامب توظيفاً ممتازاً، كما استعانت بالسيدة الأولى ميشيل أوباما وزوجها للمحافظة على التقدم في انتخابات قد تضيع في اللحظات الأخيرة. ولعل وزيرة الخارجية السابقة قد تعلمت من الدرس البريطاني جيداً. إنه الدرس الذي يجب أن نعرفه قبل أي تصويت حر. في مواجهة "الشعبويين" لا مجال لضمان الفوز إلا حينما تُقفل الصناديق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.