المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر زيدان Headshot

العقوبات الاقتصادية الأميركية على السودان: ثنائية الصراع والحل المحتمل

تم النشر: تم التحديث:

قبل أيام، قامت قناة الجزيرة الإنجليزية بعرض لقاء خُصص لمناقشة قضية العقوبات الأميركية وتأثيرها على السودان بعد مضي عقدين على أول قرار بفرضها.

ولعل اللقاء مثّل فرصة لطرح الضوء على قضية أصبحت محل اهتمام وسط أطياف الشباب السوداني.

وكما أشار البرنامج فإن هنالك فئة جديدة من الشعب السوداني بدأت تحس بأثر العقوبات عليها خارج إطار الحكومة أو المعارضة.

هذا النقاش دلل لأول مرة على اتجاه جديد في قضية العقوبات بالخروج بها من ثنائية الصراع بين الحكومة والمعارضة إلى نقاش موضوعي حول جدوى العقوبات وآثارها الحقيقية على الشعب السوداني.

فرضت العقوبات أول ما فرضت كنتيجة للحرب الدائرة في جنوب السودان وارتباط الحكومة السودانية بشبكات الإرهاب الدولية.

والعقوبات في عالم العلاقات الدولية حل وسط ما بين غض الطرف عن الدولة المستهدفة أو التدخل العسكري.

بالنسبة للسودان فإن قوى الضغط في الداخل الأميركي لم تكن لتسمح بغض الطرف عن الحكومة السودانية، كما أن التدخل العسكري لم يكن عملياً ولا مستوفياً لتكلفته في السودان.

كانت العقوبات إذن سياسة داخلية في الأساس، لكنها تظهر في شكل سياسة خارجية.

مجموعات الضغط كانت طرفاً أساسياً أيضاً في الحزمة الثانية من العقوبات في عهد الرئيس جورج بوش "الابن"، الأمر الذي يجعل من غير المجدي تحليل سياسة العقوبات دون فهم مجموعات الضغط المؤثرة.
من تلك المجموعات اللوبي المسيحي الايفانجليكي وهو من مجموعات الضغط المؤثرة جداً على السياسة الأميركية، وبصورة أكبر على الشق المحافظ والجمهوري.

وهناك أيضاً اللوبي الإفريقي أو ما يسمى بـ "Black Caucus" وهو مجموعة أعضاء الكونغرس من السود من كلا الحزبين الكبيرين، وهناك مجموعات ضغط أخرى ليست ذات تأثير كبير في قضية السودان، كمجموعات حقوق الإنسان.

استغلت الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة د. جون قرنق، مجموعات الضغط هذه بتصوير الصراع القائم في السودان بأنه صراع بين المسلمين العرب في الشمال والمسيحيين الأفارقة في الجنوب.

بعد التقارب الأميركي مع السودان إبان توقيع اتفاقية السلام الشامل برزت دارفور كمحرك جديد للعقوبات، وحدث ما يشبه التسليم والتسلم لملف العقوبات من مجموعة الحركة الشعبية لمجموعات الحركات في دارفور.

ولعل الذي يتضح لنا أن ملف العقوبات يدار فعلياً من واشنطن ومناطق النفوذ وليس عبر الحكومة الأميركية أو الدبلوماسية بين الدولتين.

إن الولايات المتحدة وبحكم موقعها في العالم، أصبحت موطئاً للصراع بين القوى الداخلية في الدول الأخرى، ولعل مثال الجلبي وتأثيره على قرار حرب العراق لا يزال حاضراً في الأذهان.

من هنا يمكننا القول إن قضية العقوبات الاقتصادية على السودان أصبحت قضية صراع ما بين الحكومة والمعارضة قبل أن تكون قضية بين الحكومة الأميركية والحكومة السودانية.

من خلال النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي ومن خلال البرنامج الذي تم بثه على الجزيرة الإنجليزية، بزر اتجاه ثالث خارج ثنائية الصراع، هو اتجاه لا ينتمي للحكومة ولا ينتمي للمعارضة، لكنه يرى موضوع العقوبات أمراً يمس الشعب السوداني ككل، ومن حقه أن يساهم في القرار.

أكثر ما يميز هذا الطرف أنه يمثل طرفاً موضوعياً غير متحيز بالثنائية السياسية في السودان، وهو بالتالي أكثر ملاءمة للنظر في جدوى العقوبات وأثرها على الشعب السوداني.

إن هذا الاتجاه سينقل الصراع من التعميمات غير المدروسة من قِبَل الطرفين إلى النظر بعين فاحصة وعلمية لتأثيرات العقوبات المختلفة.

ليس هذا فحسب، بل سيكون من الواجب على ذلك الطرف الثالث أن يفكر خارج دائرة الصراع، وبالتالي خارج الصندوق لتقديم بدائل يمكن أن تكون حلاً محتملاً لمأزق العقوبات.

نوعية العقوبات التي فرضت على السودان تسمى بالعقوبات الشاملة، وهي بطبيعتها تشمل كل اقتصاد الدولة المستهدفة دون تمييز، ولعل من المعلوم أن هناك إجماعاً من منظِّري العلاقات الدولية أن نوعية هذه العقوبات تحمل معها مضار كبيرة على شعوب الدول المستهدفة، وكثيراً ما يستشهد منظّرو العقوبات بمثال العقوبات الشاملة على العراق والأضرار الكبيرة التي صاحبتها على الشعب العراقي.

من هنا برزت الدعوات إلى عقوبات أكثر تحديداً بحيث لا تتضرر منها الشعوب، العقوبات الذكية مثلت حلاً للأمم المتحدة للتقليل من الصعوبات الإنسانية كما حدث في حالة سيراليون، وهي تستهدف أفراداً ومؤسسات معينة في الأنظمة المراد معاقبتها دون استهداف النظام الاقتصادي كله.

لكن العقوبات الذكية أيضاً لن تضمن عدم تأثر الشعب بالعقوبات وإنما التقليل من ذلك الأثر؛ لأن العقوبات هي إرباك للنظام الاقتصادي المستهدف في الأساس.

إن ما يتنظر الاتجاه الثالث في قضية العقوبات هو تحرير القضية من الصراع الثنائي بين الحكومة والمعارضة والبدء بمساءلة جدوى العقوبات بموضوعية.

وبما أن العقوبات تهدف ابتداء لتغيير سلوك الدولة المستهدفة وهذا التغيير يستلزم وجود آليات مساندة كحراك تغييري بالداخل أو محفزات في حالة تغير السلوك، يمكن أن تبرز أسئلة عما إذا كانت تلك الأهداف قد تحققت من سياسة العقوبات على السودان؟

وهل غيرت العقوبات من طريقة تفكير النظام في السودان؟ وهل كان ذلك التغيير كافياً؟ وهل ساهمت العقوبات في فتح طرق للحوار والمساومة بين الأطراف المتحاربة في السودان؟ وهل من المجدي أن تستمر العقوبات دون تقييم لنجاحها أو فشلها؟ وهل كان الضرر من العقوبات محصوراً في أقلية من الشعب أم أن الضرر قد يشمل حتى مناطق الصراع؟

وهل شمل تأثير العقوبات المعارضة الداخلية نفسها؟ وهل تعد الحكومة متضرراً فعلياً من العقوبات؟ أم أن الحكومات قد تستفيد من العقوبات؟ كما أن خيار العقوبات الذكية يفتح الباب أمام أسئلة كبيرة من قبيل الجدوى وواقعيتها، وهل يمكن إقناع الأطراف المعنية بالعقوبات الذكية كحل بديل؟

إنه تحد كبير لما يمكن أن نسميه مساهمة التكنوقراط في قضية العقوبات، بل هو اشتباك في الصراع نفسه وسيحاول أي طرف أن يحصر هؤلاء النشطاء في معسكرين، معنا أو ضدنا، كأنه لا يوجد خيار ثالث يراعي مصلحة الناس أولاً.

إن النجاح في التفكير خارج ثنائية الصراع يستلزم نجاحاً آخر في تنظيم الجهود حتى يتمكن ذلك التيار فعلياً من إيجاد الطريق الثالث والحل المحتمل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.