المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر زيدان Headshot

في حضرة تشومسكي "2"

تم النشر: تم التحديث:

أواصل معكم ما بدأته في التدوينة السابقة عن تجربة لقاء عالم اللغويات الأشهر نعوم تشومسكي، وأعتذر عن التأخير نسبة لظروف السفر من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة وانتظامي في فترة بحثية بإحدى أعرق جامعات العالم، جامعة أكسفورد، التي ربما أحدثكم عنها في فرصة أخرى، وقبل أن أدلف إلى المواضيع التي تحدثت فيها مع تشومسكي، لا بد من توضيح الحكمة من وراء كتابة هذه السلسلة، لم أكن أريد من لقائي مع تشومسكي أن يكون حواراً صحفياً، كما يظن البعض؛ لأن مثل هذه الحوارات قد تتواجد هنا وهناك، بالإضافة إلى أنني لست صحفياً بالأساس ولم أطلب مقابلة تشومسكي لحوار صحفي، بل الأمر في رمته تجربة شخصية أردت أن أشاركها مع قارئِي وطننا العربي، وأن أصور من خلالها مجتمعاً وأفكاراً مغايرة لما ألفناه في مجتمعاتنا.

نعود للقاء الذي بدأته بالتعريف بنفسي وبمجال دراستي ثم عبَّرت له عن امتناني العميق جراء منحي هذا الوقت الثمين، بادرت بسؤاله عن رأيه فيما يحصل في الساحة السياسية الأميركية، وهو الذي بدأ نشاطه السياسي منذ الستينات بتنظيم الحملات المناهضة لحرب فيتنام، كما يمثل تشومسكي أقصى اليسار في أميركا وهو ما بدا واضحاً في إجاباته. بدأ تشومسكي يتحدث عن مشابهة الوضع الآن لما حدث في العشرينات من القرن الماضي، في العشرينات كانت هنالك حركة عمالية قوية، كما كان هنالك مجتمع زراعي كبير في الولايات المتحدة، حاول المزارعون من غربي وسط أميركا التحرر من قبضة مموليهم من التجار والبنوك في الشمال الشرقي، فحاولوا التعاون مع الحركة العمالية التي كانت متشددة جداً.

تم القضاء على هاتين الحركتين الكبيرتين بالقوة المفرطة وتم استخدام قوة الدول في ذلك ثم قام ودروا ويسلون (Woodrow Wilson) في سنواته الأخيرة بالبيت الأبيض بأكبر عملية كبت في تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث قام بترحيل 400 مواطن من البلاد وقام بضرب حركة العمال وضرب الحرية الفكرية في أميركا، فيما سمي بالخوف الأحمر (إشارة إلى خطر الشيوعية)، بعدها عم الكساد في أميركا في أوائل الثلاثينات، مما أنتج تنظيمات عمالية ولكن تمت محاصرتها بالقوة. لاحقاً وصلت هذه التنظيمات العمالية لدرجة من القوة مما جعل القضاء عليها صعباً، وكان ذلك لنشوء اتحاد عمالي قوي في المصانع، وقد كان يخطط للاستيلاء على المصانع نفسها، كان الأمر مخيفاً بالنسبة لطبقة رجال الأعمال.

في تلك اللحظة كان الحزب الشيوعي حياً والحزب الاشتراكي أيضاً. في منتصف الثلاثينات قام روزفلت (Roosevelt) -الذي كان متعاطفاً مع العمال- بتبني سياسات رفاهية وتكامل اجتماعي (Social Welfare) لكنها كانت مجهزة بعناية؛ لأن الأحزاب كانت تمثل طبقة رجال الأعمال فقط. قاطعته هنا: حتى الحزب الديمقراطي؟ فأجاب: الحزب الديمقراطي حزب رجال أعمال في المقام الأول، بل كان حزباً عنصرياً في الثلاثينيات نسبة لسيطرة الجنوب عليه. الجمهوريون كان يطلقون على أنفسهم ديمقراطيين، الذي حصل أن الحزب الديمقراطي كان مؤيداً لحركة الحقوق المدنية في الستينات، مما حدا بالسياسيين العنصريين أن يحولوا انتماءهم للحزب الجمهوري، لقد تنبهوا أن بإمكانهم جلب القوة السكانية للجنوب إلى جانب الحزب الجمهوري بتبني سياسات عنصرية، وهذا هو ما يستند إليه ترامب وكروز.

إذا ما نظرت إلى تشريع روزفلت (الصفقة الجديدة) (New Deal) ترى أنها جهزت لتستبعد الأفارقة الأميركان، بل كتبت بطريقة تستبعد الحرف والأشغال التي يمتهنها السود، وكان هذا تحت ضغط ديمقراطيي الجنوب، لم تقم أحزاب سياسية في أميركا كتلك التي قامت في أوروبا، فقط أحزاب جغرافية. في الثلاثينات وصلت حركة العمال إلى مركز قوي جداً، الأمر الذي أرعب رجال الأعمال فعملوا لهجمة مباغتة، استخدموا الحرب الباردة كذريعة لضرب الحركة العمالية، اتسمت فترة الثلاثينات بالفقر المدقع، لكن أيضاً كانت مفعمة بالأمل، الآن ليس هنالك أمل. من السهل جداً على الدهماء أمثال ترامب الآن استخدام الكراهية لجلب الأصوات، أما ظاهرة ساندرز فهي محفزة للغاية.

ثم ناقشته في رأيه في المرشح الديمقراطي ساندرز وعما إذا كان سينجح في استقطاب الأميركيين حول أفكاره الاشتراكية، لكن تشومسكي يرى أن أفكار ساندرز ليست سياسات اشتراكية، هذه سياسات الصفقة الجديدة عند روزفلت، فهو يرى برني ساندرز كديمقراطي صادق يحاول إعادة مفاهيم الصفقة الجديدة، سياساته كانت ستكون مقبولة لدى الرئيس إيزنهاور، لكن الطيف النخبوي تحرك جهة اليمين بحيث أصبحت هذه السياسات تعد اشتراكية متشددة، الصحافة لا تتحدث عن أن هذه السياسات التي يتبناها ساندرز دعمها الناس لعشرات السنين من قبل.

هنا تندرت بأن كل هذه الحملات الانتخابية تحدث تحت ناظري العالم، وإن كان الأميركيون يعلمون ذلك، فيرد تشومسكي بأن الجمهوريين في الغالب لا يعلمون، الولايات المتحدة بلد منعزل، الناس لا يعلمون كثيراً عن العالم الخارجي، الناس لا يعلمون أين تقع فرنسا!

ويمكن تفهم هذا؛ لأنه بلد شاسع وغني، يمكنك الذهاب من بوسطن حتى لوس أنجلوس من غير أن تلاحظ الفرق، نفس الناس، نفس المحلات، إذا سافرت في أوروبا لأكثر من مائة ميل سترى ثقافة مغايرة، ثم سألته عما إذا كانت هذه الانعزالية ستؤثر على سيطرة الولايات المتحدة في العالم، يرد تشومسكي بأنها ستؤثر، خذ مثلاً نتائج اقتراع تم أخذه بواسطة وكالة غالوب الأميركية عن سؤال ما هي أخطر دولة على السلام العالمي، من تعتقد، كان الأول في نتائج الاستطلاع، الولايات المتحدة في المقدمة بفارق كبير وباكستان في المرتبة الثانية.

هذا لا يتم إعلانه في الولايات المتحدة. حاول أن تسأل الناس هنا عن رأيهم فيمن يعتقدون أنه المهدد الأول للسلام العالمي، غالبيتهم سيقول إيران؛ لأن الناس ببساطة لا يعلمون، إذن حين تسأل المرشحين الجمهوريين في الغالب لن يعرفوا، وحتى لو عرفوا لن يهتموا، فقط اسأل الناس عن اين يقع السودان؟ فجاوبته بأنهم لن يعرفوا إلا أن أقول لهم إنه يقع بجوار مصر. فقال: سيعرفون مصر بسبب الأهرامات.

بالنسبة لي يعد الأمر خطيراً، وكذلك بالنسبة لتشومسكي، حينها سألته عما إذا كانت هذه الحملات تعد مؤشراً لتراجع الحضارة الغربية عموماً؟ فيجيب، هذا يعتمد على ماذا تقصد بالتراجع، هي ما زالت الحضارة الأغنى في العالم، بالطبع هي ليست كما كانت في القرن التاسع العشر بسبب نهاية الاستعمار. في القوة العسكرية، الولايات المتحدة تعادل باقي العالم بأكمله، ليس هنالك دولة أخرى تمتلك 1000 قاعدة عسكرية حول العالم، ولكن العالم يتجه نحو التنوع ببطء.

ماذا عن الشرق الأوسط وظاهرة الحروب الطائفية؟ لم يحدث أن أصبح الوضع أسوأ مما هو عليه الآن في تاريخ المنطقة. سوريا التي كانت إلى حد ما مركزاً للحضارة العربية تنتحر الآن، مصر تدخل في مرحلة مظلمة جداً، هل قرأت النيويورك تايمز اليوم؟ هناك مقال جيد عن النخبة المصرية التي تشتكي من انتظارهم 3 أسابيع حتى يحصلوا على آخر موديل من سيارة المرسيدس. طلاب الجامعة الأميركية بالقاهرة، وغالبيتهم من الأغنياء، يشتكون من عدم توافر الماركات الفخمة من الملابس وهذا ما تهتم به النيويورك تايمز، إذا كانت النخبة غير سعيدين فإن هنالك مشكلة، ولا مشكلة البتة إذا كان الآخرون يموتون جوعاً. السبب الأساسي أن الاقتصاد سيئ والسياحة تم تدميرها في مصر.

هناك حرب حقيقية تدور في مصر ولا يتم تداولها في الإعلام، وهي ما يحدث في سيناء، لدي صديق عزيز في غزة بالقرب من حدود رفح، يهاتفني مرة في الأسبوع، ويمكنني سماع القصف من الهاتف حين أحادثه. في الجانب الآخر، ليست الصورة قاتمة تماماً، فالحركة العمالية ما زالت حية هناك، هناك كتاب مميز عن مصر صدر قريباً عن جاك شينكر (Jack Shenker) وهو من المراقبين لمصر لعدة سنوات، الكتاب متفائل جداً ويظن الكاتب أن الكثير من النشاطات ما زالت قائمة حتى تحت النظام الديكتاتوري. حاولت بعدها أن أعرف رأيه في تأثير الدين على المتغيرات في منطقتنا العربية. وفي الحقيقة يرى تشومسكي رأياً مغايراً لأغلب التفاسير التي حاولت تفسير ظاهرة التطرف، في نظر تشومسكي أنه حين تم تدمير القومية العلمانية، كان لا بد من أن تحل محلها أيديولوجيا أخرى وهي الإسلام الراديكالي، قام الغرب بدعم الإسلام الراديكالي لكنه الآن خرج من السيطرة.

أما عن إفريقيا فيرى تشومسكي أن ثمة مؤشرات إيجابية تشهدها القارة السمراء، هناك أموال كثيرة يتم رصدها لإفريقيا، الجزء الجيد منها يذهب للخدمات الصحية والإغاثية، لكن الأغلب يأتي بأضرار كبيرة على القارة، فقط انظر للحدود الإفريقية، كلها تم تحديدها من قبل القوى الأوروبية الاستعمارية، تفرق الحدود بين عدة قبائل وطوائف لتولد الأزمات في غالب دول القارة، أسوأ المجازر حصلت في شرق الكونغو، الكونغو كان يمكن أن تكون واحدة من أغنى بلدان القارة والمتقدمة في التنمية أيضاً، كان لديها قائد شاب واعد، باتريس لومببا، لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أرادت اغتياله، ليتم اغتياله من قِبل البلجيكيين الذي قطعوا جثته وتركوها في الأدغال، إذا نظرت لمصر في عشرينات القرن التاسع عشر فإنك ترى نموذجاً مشابها للمستعمرات الأميركية، بلد غني زراعياً خوصوا القطن، وكما تعلم كان القطن وقوداً للثورة الصناعية في أوروبا، مصر امتلكت القطن وأميركا لم يكن لديها قطن.

مصر لم يكن فيها رقيق كما كان في أميركا، كان هنالك حكومة تنموية في مصر -حكومة محمد علي باشا- وكان باستطاعتهم التطور كما تطورت الولايات المتحدة فقط مع وجود فارق واحد وهو أن البريطانيين لم يكونوا ليسمحوا بحكومة تنمية على أطراف المتوسط، في غرب إفريقيا، قبائل الأشانتي تحديداً في حوالي 1860، كان يمكن أن يصبحوا مثل اليابان، لكن تم استعمارهم، إنها منهجية تدميرية لكن الاقتصاديين لا يرون هذا؛ لأنه يعارض أيديولوجياتهم، خذ مثلاً كوريا الجنوبية وغانا، كانتا في نفس الوضعية السيئة في 1950، الآن كوريا الجنوبية عملاق صناعي فقط لأن كوريا الجنوبية تم دعمها لأسباب تتعلق بالحرب الباردة، إفريقيا عليها أن تكسر هذا النظام وتخرج منه، لكن هناك أيضاً القادة المنغمسين في الفساد، يجب أن يكون هناك قادة أكفاء ليخرجوا إفريقيا من هذا النظام المستبد.

شكرت تشومسكي على هذا اللقاء الثمين، خرجت من عنده وعقلي في حالة فوران إن صح التعبير، تشومسكي ساح بنا في التاريخ سياحة ربطت ما حصل في أوائل القرن الماضي بما يحدث الآن. تشومسكي لم ينسَ أن يدخل الاقتصاد كعامل لتفسير ما حصل ويحصل في الشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا أيضا. سترتي جعلته يخبرني أن بعض الأميركيين يعيشون حالة أسوأ من رجل مثلي أتى من إفريقيا، وأن الأميركيين لن يصدقوا هذا، تشومسكي رسم لي صورة قاتمة جداً عن العالم وعما يمكن أن نفعله إزاء التحرر من تلك الهيمنة التي تحدث عنها، لكنه يصدمك بالحقيقة ويلهمك بمقاومته، رغماً عن تهميش الإعلام المقصود له ما زال تشومسكي يصدح بآرائه الناقدة للأميركيين حيثما حل، رغماً عن محاولات إسكاته، ما زال تشومسكي نصيراً للمستضعفين أينما كانوا، ولا أدري أهي حكمة العلم التي استوفاها أم دروس التاريخ التي خبرها التي جعلته قوياً في الثمانين في مواجهة الهيمنة؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.