المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

الولاء .. طريق محفوف بالمغريات

تم النشر: تم التحديث:

فجأة، وبينما كان أستاذنا في الجامعة يشرح لنا عن الرضا الوظيفي، سَألَنا: من منكم مستعد لرفض عرض عمل من شركة أخرى يوفر له راتباً أعلى من راتبه الحالي ويقدم له مزايا مادية أفضل، من منكم يرفض كل ذلك ويبقى في عمله الحالي وفاءً لعمله وشركته؟

ربما لم يكن مستغرباً لنا ولأستاذنا حين كان المستعد - الفدائي كما سمّاه - هو شخص واحد فقط من أصل عشرين، واثنان آخران على استعداد ولكن بشرط أن تقدم الشركة الحالية عرضاً مادياً يعوّض الفرق أو ما شابهه!

عندما نذكر موضوع "الرضا الوظيفي" يتبادر إلى الذهن مباشرة "الموظف الياباني" الذي يقول الرواة عنه إنه من فرط رضاه على شركته يأبى إلا أن يورّث منصبه في شركته لابنه، ويقومان بعملية استلام وتسليم كاملة عندما يقرر الأب التقاعد!

هذه الرواية صحيحة بالتأكيد، ولكنه لا يمكن لنا أن نعتبرها ظاهرة، كونها ليست بذلك الانتشار، وفي نفس الوقت صعبة التطبيق في كثير من الأحيان، ولكنها تشي بحجم "الرضا" و"الولاء التنظيمي" الذي يكنه اليابانيون لمنظماتهم، وفي ذات الوقت إذا ما نظرنا إلى مجتمعاتنا العربية نجد أن الموظف لا يمضي في منظمته سنة أو سنتين على الأكثر قبل أن يجد عملاً آخر وينتقل إليه بحثاً عن حياة عملية أفضل مالاً أو أوسع خبرة حسب تقديره.

في علم "السلوك التنظيمي" الذي يدرس السلوك الفردي للموظف والسلوك المؤسساتي، يقول الخبراء إن "الرضا الوظيفي" عن العمل والشركة ينبع من قناعة عقلية لدى الموظف بأن هذا المكان هو الأفضل له، أو من عاطفة قوية تربطه بالمكان أو بالأشخاص الذين يعملون فيه، وربما يكون منهم مديره المباشر.

تتكون خماسية الرضا الوظيفي من: الراتب، وفرص الترقي والتقدم، وطاقم الإدارة العليا، وزملاء العمل، والعمل نفسه، وتشكل هذه الخماسية بمجموعها نظرة الموظف إلى عمله وإمكانية البقاء والاستمرار فيه من عدمه. والغالبية منا تبحث عن وظيفة الأحلام التي تجتمع فيها كل هذه الصفات، بينما يقتنع البعض بواحدة منها فقط، كراتب مميز، أو إمكانية الوصول إلى منصب إداري عالٍ، وتختلف هنا النظرة والظروف وبيئات العمل المتوفرة.

يقول علماء الإدارة إن هناك ثلاثة أصناف للولاء التنظيمي: أولها هو الولاء بهدف الاستمرارية والبقاء للعيش، إذ لأسباب مادية لا يكون لدى الموظف خيار آخر سوى البقاء في العمل، والذي يشكل في ظاهره ولاء والتزاماً بالعمل مع المنظمة.

وثانيها هو الولاء المعياري، وفيه يبقى الموظف في منظمته لأسباب شخصية، بحيث يضيف إلى سيرته الذاتية عدداً من سنوات الخبرة في منظمة واحدة، ويرسل من خلالها رسالة إلى الآخرين وخاصة المنظمات التي يود أن ينتقل إليها أنه شخص ملتزم ولديه ولاء لمنظمته ويمكنه البقاء في منظمة واحدة لسنوات عديدة.

أما الصنف الأخير والأفضل بينها للمنظمات والأفراد فهو الولاء الوجداني، وهذا ولاء حقيقي، تتصل فيه عاطفة الموظف ووجدانه بمنظمته وقيمها وأهدافها، ويسعى فعلياً للبقاء فيها لأجل خدمتها والسعي وراء نموها وتطورها.

شاهدت في حياتي العملية موظفين من الأصناف الثلاثة، أقلهم من الصنف الأخير، وغالبهم من الصنف الأول، الذين تحكمهم النظرة بعين المادة إلى المزايا المالية التي سيحصلون عليها في القريب العاجل، دون أخذ بعين الاعتبار الصورة الكاملة أو الحالة التي سيصيرون عليها بعد سنوات عديدة في منظمات عديدة، وبالتأكيد لا نستطيع أن نلومهم دون النظر في ظروف حياتهم وأعمالهم السابقة.

ولكننا وفي هذا الأمر تحديداً نحتاج إلى أن نعود بعيداً إلى جذور تربيتنا ونصلح بعض ما تربينا عليه من أمثال وحكم تحض على المادية وتقيس البشر بما يملكونه من مال وماديات، وهذه بالتأكيد مهمة صعبة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المنطقة بأكملها.

حسب رأي الخبراء فإنه ربما يخسر الموظف مئات الدولارات في حال اتخاذه قراراً برفض العرض الجديد ذي المزايا المالية الأفضل، ولكنه بالتأكيد سيربح استقراراً نفسياً وتصالحاً مع ذاته يمكن أن يغنيه عن هذه الدولارات، بالإضافة إلى سيرة عمل مميزة تنبئ عن موظف صاحب ولاء واعتزاز بمنظمته التي يعمل بها، وبالطبع فإن المقصود هنا هي المنظمات الفاعلة ذات الخبرات الواسعة والمتجددة التي تحترم الموظف وتقدره وتعتبره من أصولها التي لا تستغني عنها.

هذه ليست دعوة إلى الجمود والبقاء في الركود لسنوات عديدة، لكنها دعوة للتوقف قليلاً قبل الموافقة السريعة على عرض العمل الجديد، ومحاولة لتوسيع النظر إلى اعتبارات مستقبلية ربما يغفل المرء عنها تحت ضغط اللحظة. وبالتأكيد لكل حالة خصوصيتها وظروفها واعتباراتها.